تعديل

الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

تحديات العقل البشري .. إكسير الحياة والبحث عن الخلود

أعشق الصور القديمة، خصوصا تلك التي يزيد عمرها عن قرن من الزمان، أبحث عنها على الانترنت، أنظر ‏أليها بدقة متمعنا في وجوه الرجال والنساء والأطفال الذين يظهرون فيها .. طريقة وقوفهم وجلوسهم .. تعابير ‏وجوههم .. أزيائهم وملابسهم .. أتساءل دوما كيف عاشوا وأين ماتوا ! فالبدايات والنهايات تجذبني دوما .. لكنها ‏تربكني أيضا، فما بين البداية والنهاية عمر قد يطول ويقصر، لكنه محتوم بنهاية واحدة لا مناص منها .. نهاية ‏تمنى البشر منذ أقدم العصور تجنبها .. أو على الأقل تأخيرها .. فهل يا ترى ينجح العلم في تحقيق هذه الغاية التي ‏شغلت عقول الناس على مر العصور؟ هل يمكن للإنسان حقا أن يعيش لقرنين أو ثلاثة في المستقبل؟ وهل سينجح ‏العلماء أخيرا في صنع إكسير الحياة الذي بحث عنه أقرانهم القدماء بدون جدوى.‏
هذه اللوحة تصور امرأة تجمل نفسها وتنظر الى وجهها في المرأة لكن اذا نظرت الى اللوحة بمزيد من الدقة ستشاهد جمجمة بشرية، اي ان هذا الجمال زائل الى الموت لا محالة
الحيوانات المنوية تسعى نحو البويضة
حياة الإنسان تبدأ بمشهد قد لا يتخيله العقل .. ماراثون عظيم تسعى فيه ملايين الحيوانات المنوية إلى غاية واحدة .. العجيب هو إن هذا السباق الجماهيري المهيب لا يحظى بأي تغطية إعلامية فلا تكتب عنه الصحف ولا تنقل وقائعه الفضائيات !! كما أن الفائز الوحيد فيه لا يتم تكريمه بأي ميدالية ولا يمنح أي وسام رغم انجازه الكبير!. جائزته الوحيدة ستكون دخوله إلى جسم كروي يدعى "البويضة" ودونه يغلق الباب بوجه ملايين المتسابقين الخاسرين الذين يتركون ليموتوا ببطء في الخارج.
عملية اتحاد الحيوان المنوي الفائز مع البويضة هي أولى الخطى نحو تكوين حياة جديدة. الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل التي قد تستغرقها الحياة نحو نهايتها الحتمية. الطريف هو أن بعض الناقمين على الدنيا من أمثال شاعرنا الفيلسوف أبو العلاء المعري يلعنون هذه الخطوة الأولى ويعتبروها جناية ارتكبها أبائهم بحقهم !! :
هذا ما جناه أبي عليّ *** وما جنيت على أحد
شجرة صفصاف عمرها 5000 عام
على أية حال، وبغض النظر عن رضانا من عدمه حول قدومنا إلى هذه الدنيا، فالحياة البشرية، وحياة كل المخلوقات على كوكبنا الأزرق، تمر بالعديد من المراحل، لكنها تنتهي جميعها إلى نهاية واحدة لا مناص منها، والفترة الزمنية ما بين البداية والنهاية نطلق عليها تسمية العمر، وهو يطول ويقصر ويختلف مداه من مخلوق لآخر (1) ...
فبعض الحشرات لا تعيش سوى بضع ساعات أو أيام.
الفأر قد يعيش لسنتين في أفضل الأحوال.
الكلب 13 عاما والقطة 15 عاما.
الحصان 30 عاما والفيل 70 عاما.
الإنسان قد يعيش لـ 80 عام.
بعض أنواع السلاحف لـ 190 عام.
زاحف التوتارا (Tuatara ) النيوزلندي قد يعيش لـ 200 عام.
حيتان الرأس المقوس (Bowhead whale ) قد تعيش لـ 220 عام.
أسماك الكوي اليابانية (Koi ) الزاهية الألوان قد تعيش لـ 245 عاما.
بعض أنواع المحار تعيش لأكثر من 400 عام.
بعض أنواع أشجار الصفصاف (Bristlecone pine ) قد يصل عمرها إلى 5000 عام.
بكتيريا تدعى (bacillus permians ) عمرها 250 مليون عام !! إذ تمكن العلماء في الولايات المتحدة من إعادتها للحياة عام 2008 بعد استخراجها من صخرة كلوريد صوديوم عثر عليها داخل كهف في المكسيك.

لكن هل هناك مخلوق لا يموت ؟

قنديل البحر العجيب
الجواب هو نعم ولا في آن واحد !! .. فهناك قنديل بحر عجيب يدعى هايدروزون وأسمه العلمي (Turritopsis nutricula )، هذا الكائن البحري الصغير هو المخلوق الوحيد على وجه الأرض الذي أحتال على الموت وأستطاع خداعه، فحين يصل هذا الحيوان إلى مرحلة الشيخوخة التي يليها الموت عادة عند جميع المخلوقات، يقوم هذا القنديل "المحتال" بعكس مراحل حياته ليعود أدراجه إلى مراحلها الابتدائية، وهي مرحلة تعرف باسم البوليب (polyp ) ثم يبدأ بالنمو مجددا حتى يصل إلى سن الشيخوخة وهكذا دواليك. وهذه العملية المعقدة يمكن أن تستمر وتتكرر بشكل غير محدود لدى هذه القناديل العجيبة، أي إنها "خالدة" بكل معنى الكلمة، لكن هذا لا يعني بأنها لا تموت، فهذا الكائن غالبا ما يتعرض للافتراس من قبل كائنات أخرى وبالتالي فهو يموت أيضا مثل الآخرين.
العلماء الذين درسوا هذا القنديل البحري يقولون بأنه يستخدم آلية معينة لإعادة تدوير حياته، وذلك عن طريق تحويل خلايا جسمه من نوع وشكل إلى أخر، وهي آلية يطلق عليها تسمية (transdifferentiation )، ويمكن ملاحظتها على نطاق محدود لدى بعض أنواع الزواحف كالسمندل (salamander ) الذي بإمكانه تعويض وإعادة بناء بعض أطراف جسمه في حالة تلفها أو فقدها.

لكن ماذا عن الإنسان .. كم بإمكانه أن يعيش ؟ وهل يمكن أن يصبح خالدا ؟

بالنسبة للشق الأول من السؤال، فأساطير وفلكلور الشعوب تغص بقصص المعمرين، والطريف هو أن هناك اعتقاد لدى بعض الناس في أن أعمار القدماء كانت أطول بكثير من أعمار البشر اليوم، رغم أن متوسط عمر الإنسان في العصور القديمة لم يكن ليتجاوز 25 عاما في أحسن الأحوال، وانخفض هذا المعدل إلى 18 عاما في العصور الوسطى وذلك نتيجة لتفشي الأوبئة والمجاعات والحروب.
وفي الموروث الديني، هناك العديد من الأنبياء والأولياء المعمرين، فنبي الله نوح عاش زهاء ألف عام، وعاش غيره من أنبياء العهد القديم لمئات السنين. وهناك من عاش عمرا مديدا بمعجزة ربانية، فالقرآن الكريم يروي لنا قصة أصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم 300 عام. وهناك أيضا من أحياه الله من جديد كالعزير وحماره بعد موتهما بمائة عام، وهذه القصص أشهر من أن نخوض في تفاصيلها في هذه العجالة.
جين كالمنت في ريعان الشباب وفي سن الشيخوخة
أما في العصر الحديث، فقد ازداد متوسط عمر الإنسان نتيجة لتطور الطب وتوفر الغذاء، وعليه فقد ازداد أيضا عدد المعمرين وصارت الصحف تطالعنا من حين لآخر بتقارير عن أشخاص بلغوا من العمر عتيا، إلا إن ما ينقص تلك التقارير، خصوصا في العالم الثالث، هو المستمسكات التي تثبت العمر الحقيقي لهؤلاء المعمرين المزعومين، لأن أغلبهم لا يملكون شهادة ميلاد رسمية. وبسبب هذا النقص في الإثبات فأن اغلب معمري العصر الحديث هم أما أمريكيين أو أوربيين أو يابانيين لأن دولهم اهتمت منذ زمن بعيد بتوثيق ولادات ووفيات سكانها. وطبقا للسجلات الرسمية فأن أطول عمر عاشه الإنسان في العصر الحديث مسجل بأسم الفرنسية جين كالمنت (Jeanne Calment ) التي ماتت عام 1997 عن 122 عاما و164 يوم. هذه السيدة الفرنسية عاشت طويلا وعاصرت أحداث قرنين من الزمان فقدت خلالها زوجها وأبنتها الوحيدة وحفيدها الوحيد وكل من تعرفه من الأقارب والأصدقاء لينتهي بها المطاف وحيدة في دار للعجزة. الطريف عزيزي القارئ هو أن جين كالمنت عاشت بمفردها وبدون مساعدة ورعاية من أحد حتى سن الـ 110 وكانت تقود الدراجة الهوائية حتى سن الـ 100 كما إنها كانت تدخن السجائر منذ سن الـ 21 ولم تترك هذه العادة السيئة إلا في سن الـ 117 !!.
وبالعودة إلى سؤالنا حول أمكانية أن يصبح الإنسان خالدا، ففي الحقيقية لم يثبت أن هناك إنسان أستطاع التغلب على الموت سوى في الأساطير، وكذلك في بعض روايات الموروث الديني، وقصة الخضر هي إحدى الأمثلة على ذلك، رغم أن الروايات عنه متضاربة، فالمسلمون يختلفون في كونه نبيا أم مجرد عبد صالح، كما يختلفون في حياته ومماته، فهناك من يقول بأنه مات منذ عهد طويل وهناك من يزعم بأنه مازال حيا حتى اليوم. وهناك العديد من القصص حول سبب طول عمر الخضر، لعل أشهرها هي حكايته مع ذو القرنين وعين الحياة التي تمنح الخلود، حيث أستطاع الخضر من الوصول إلى تلك العين وشرب منها فيما أخطأها ذو القرنين.
البطل جلجامش السومري
في الأساطير، كان جلجامش ملك أوروك السومري (2750 ق.م) أول الباحثين عن الخلود، وقد خلدت قصته في ملحمة شعرية طويلة حملت أسمه. ورغم أن القصة ليست سوى أسطورة إلا إنها تحمل في طياتها معاني وحكم جميلة حول معنى الحياة والموت والخلود.
إلى أين تمضي جلجامش؟
الحياة التي تبحث عنها لن تجدها.
فالآلهة لما خلقت البشر، جعلت الموت لهم نصيباً، وحبست في أيديها الحياة.
أما أنت يا جلجامش، فأملأ بطنك.
افرح ليلك ونهارك.
اجعل من كل يوم عيداً.
ارقص لاهياً في الليل وفي النهار.
اخطر بثياب نظيفة زاهية.
اغسل رأسك وأستحم بالمياه.
دلل صغيرك الممسك بيدك، واسعد زجك بين أحضانك.
هذا نصيب البشر ... (ملحمة جلجامش / اللوح العاشر/ العمود الثالث)
هذه الأبيات قالتها سيدوري ساقية الآلهة وهي تحاول أقناع جلجامش بأن الموت هو مصير محتوم للبشر .. لا فرار منه .. لذلك فبدلا من أن إضاعة الوقت في البحث عن سر الخلود، نصحته بأن يجعل "من كل يوم عيدا" وليستمتع بحياته قدر المستطاع قبل أن توافيه المنية .. لأن هذا هو قدر البشر. لكن جلجامش تجاهل نصيحة الساقية الحسناء ومضى في طريقه عابرا مياه الموت بحثا عن ضالته المنشودة. لكنه للأسف عاد خائبا مكسورا، فالعشب السحري الذي يمنح الحياة الأبدية، والذي كان قد اقتلعه من أعماق مياه البحر في دلمون (البحرين حاليا) ابتلعته أفعى بينما كان يستحم في النهر. في النهاية عاد البطل حزينا إلى أوروك، لكن حين اقتربت السفينة التي تحمله من أسوار المدينة الضخمة والمحكمة البناء والتي قام هو بتشييدها أدرك جلجامش بأن عملا عظيما كهذا السور هو الذي سيخلد أسمه إلى الأبد.
عنخ .. رمز الحياة الابدية لدى الفراعنة
وإذا كان جلجامش قد وجد سر الخلود في سور مدينته، فقدماء المصريين قدموا للعالم أعظم الصروح التي أدهشت البشرية لقرون مديدة من اجل الوصول إلى هذا الخلود. لكن اغلب الناس للأسف لا يفقهون شيئا حول مغزى وفلسفة الحياة والموت لدى الفراعنة، فترى بعضهم يتساءل حول معنى إهدار كل تلك الثروات والموارد العظيمة للمملكة المصرية القديمة في بناء قبور حجرية فخمة كالأهرامات .. لكن ما لا يدركه اغلب هؤلاء هو أن الفراعنة لم يبنوا ويشيدوا من اجل الموت وإنما من اجل الحياة، فالموت لم يكن في نظرهم نهاية وإنما كان بداية جديدة لحياة أخرى خالدة، والمتعمق في دراسة عقيدة الموت لدى المصريين القدماء سيجد بأنها أقدم عقيدة بشرية حول مفهوم الروح والحياة الأخرى ويوم الحساب وفكرة العقاب والثواب في العالم الآخر.
في العصور الوسطى انتشرت أسطورة "إكسير الحياة" الذي يمنح الخلود والحياة الأبدية، ورغم أن الإنسان لم يتوصل أبدا لصنع مثل هذا الإكسير السحري، إلا إن البحث عنه كانت له فوائد عظيمة في دفع وتطوير علم الكيمياء، حيث أصبحت صناعة هذا الإكسير هدفا للعديد من التجارب والاختبارات خصوصا في العصر الذهبي للدولة الإسلامية وفي أوربا العصور الوسطى.
الكونتيسة الدموية باثوري تستحم بالدماء
عجز العلم والطب عن إطالة العمر وتأخير الشيخوخة دفع بالعديد من الناس إلى اللجوء للسحر والشعوذة للوصول إلى هذه الغاية. وغالبا ما كانت الطقوس السحرية المرتبطة بإعادة الشباب ذات أبعاد دموية ووحشية، فعلى سبيل المثال، كانت الكونتيسة الهنغارية إليزابيث باثوري تقطع شرايين خادماتها البائسات وتتركهن معلقات داخل حوض استحمام لينزفن حتى آخر قطرة، وبعد موت الفتاة المسكينة تقوم الكونتيسة بأبعاد الجثة والاستحمام في دماءها لأنها كانت تؤمن بأن لهذه الدماء خواص سحرية تقضي على الشيخوخة وتطيل العمر. ومن الأمثلة الأخرى في هذا المجال هي قصة الأسبانية انركيتا مارتي التي كانت تخطف الأطفال الفقراء من شوارع برشلونة لتقتلهم وتستخلص الشحم من أجسادهم لاستخدامه في صنع وصفات سحرية للقضاء على الشيخوخة كانت تبيعها بمبالغ طائلة لحسناوات المدينة من بنات الطبقة النبيلة والراقية.
وفي هذه الأيام بتنا نسمع كثيرا عما يسمى بالزئبق الأحمر الذي يزعم البعض بأن له خواص عجيبة من ضمنها إطالة العمر، وهي كذبة صدقها الكثير من السذج ممن أنفقوا مبالغ طائلة للحصول على القليل من هذه المادة السحرية والذي لم يثبت حتى اليوم بأن لها وجود أصلا.

لماذا نشيخ ؟

بعيدا عن الأساطير والوصفات السحرية .. الشيخوخة اليوم علم قائم بذاته، وهناك اليوم العديد من الدول والمؤسسات العلمية التي تنفق الملايين للبحث في هذا المجال، وذلك لأسباب عديدة، فالشيخوخة تؤدي إلى إلحاق خسائر فادحة بالاقتصاد العالمي بسبب رواتب التقاعد التي يجب على الدول دفعها لكبار السن من الموظفين السابقين وكذلك نفقات علاج ورعاية المسنين الذين تزداد أعدادهم يوما بعد أخر نتيجة لتطور الطب ووسائل العلاج. أضف إلى ذلك، فأن الشيخوخة تسلب البشرية أفضل علماءها ومفكريها الذين وصلوا إلى قمة إبداعهم ونضوجهم الفكري نتيجة تراكم التجارب والخبرات عبر السنين. ولهذه الأسباب مجتمعة فأن القضاء على الشيخوخة أو الحد من آثارها السلبية سيكون له عظيم المنفعة على الإنسانية جمعاء.
لماذا نشيخ ؟
لكن محاولات أطالة عمر الإنسان وإبطاء الشيخوخة تستلزم أولا معرفة الأسباب التي تجعل الإنسان يشيخ، والعلماء رغم الأبحاث المطولة والتقدم الكبير الحاصل في هذا المجال إلا أنهم لم يستقروا بعد على نظرية شاملة تفسر سبب حدوث الشيخوخة. لكن بشكل عام، الشيخوخة تحدث على مستوى الخلية (Cellular senescence ) عندما تتوقف الخلية عن الانقسام والتجدد بعد عدد محدد من الانقسامات، وذلك بسبب خلل يطرأ على عملية نسخ جزئيات الحمض النووي (الشفرة الوراثية) أثناء عملية الانقسام، ولهذا فكلما ازداد عدد الانقسامات أزداد أيضا الخلل والنقص الحاصل في شفرة الحمض النووي لدى الخلايا الجديدة وهو الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى شيخوختها وتوقفها عن الانقسام وبالتالي شيخوخة الكائن الحي ككل.
وعلى عكس الخلايا السليمة، فأن الخلايا السرطانية بإمكانها نسخ جزئيات الحمض النووي بصورة كاملة مما يسمح لها بالانقسام إلى ما لا نهاية، وهذه العملية، أي توقف الخلايا السليمة واستمرار الخلايا السرطانية في الانقسام لا تحدث من تلقاء نفسها، فالعلماء يعتقدون بأن جينات وإنزيمات معينة تؤثر في هذه العملية وهم يأملون في أن يتمكنوا عن طريق تحديد هذه الجينات والإنزيمات من إبطاء تقدم الشيخوخة، فمثلا تعديل هذه الجينات سيسمح للخلايا السليمة بالاستمرار في الانقسام وبالتالي تأخير الشيخوخة وفي نفس الوقت يوقف انقسام الخلايا السرطانية المؤذية.
وطبعا هناك نظريات أخرى عديدة حول الشيخوخة قد يطول الخوض في تفاصيلها، لكن الإطار العام لهذه النظريات يربط بين الشيخوخة وبين الوراثة والجينات التي تعمل كساعة بيولوجية داخلية تحدد دورة حياة كل كائن حي والحد الأقصى لعمره.

هل يمكن للعلماء تصنيع "أكسير الحياة" ؟

كما أسلفنا فأن العلماء في بحث دءوب من اجل تحديد الجينات المؤثرة في عملية الشيخوخة. وفي الواقع فأن العلماء نجحوا حقا في إطالة عمر الإنسان، فمتوسط عمر الإنسان قبل قرن أو قرنين من الزمان لم يكن ليتجاوز الثلاثين عاما، وكانت نسبة الوفيات مرتفعة جدا، ولم يكن غريبا أن يموت الناس في ريعان شبابهم. أما اليوم فمعدل عمر الإنسان في الغرب يناهز الثمانين عاما، وفي الحقيقية لم تعرف البشرية خلال تاريخها الطويل عددا كبيرا من المسنين والمعمرين كما في أيامنا هذه. بل صار الناس في هذا الزمان يهزون رؤوسهم أسفا عندما يسمعون بأن شخصا ما توفى في عقده الرابع أو الخامس قائلين بأنه مازال صغيرا على الموت.
فلم "Final cut" لروبن وليمز يتحدث عن زرع رقاقات في عقل الانسان لتسجيل وحفظ ذاكرته بعد الموت
واليوم هناك أبحاث جدية حول إطالة عمر الإنسان عن طريق الهندسة الجينية والهرمون والإنزيمات، وقد نجح العلماء في تحقيق نتائج مذهلة في بعض تجاربهم على فئران المختبرات حيث تمكنوا من إطالة عمرها بنسب تصل إلى 40%، أي انه في حالة نجاح إجراء هذه التجارب على الإنسان فأن معدل عمره سيرتفع إلى 120 عاما، بل أن هناك بعض العلماء يتحدثون عن عمر 1000 عام !! وذلك عن طريق هرمونات معينة تتحكم بعمل الجينات.
وإذا كان الإنسان قد نجح في إطالة عمره بنسبة الضعف أو الضعفين خلال قرن واحد من الزمان، فلك أن تتخيل عزيزي القارئ الآفاق المستقبلية لحياة البشر خلال القرن أو القرنين القادمين، فالعلماء اليوم لم يعودوا يتحدثون عن إضافة عدة عشرات من السنين فقط .. كلا فقد أصبح هذا الموضوع قديما! لكننا صرنا نسمع همسا هنا وهناك عن تحدي الموت نفسه، وظهرت بالفعل أفكار ونظريات حول كيفية جعل الإنسان خالدا ابد الدهر، بعضها قد تبدو في نظرنا اليوم مجرد أفكار خيالية مستحيلة التطبيق كما كان أسلافنا يعتبرون السيارة والطائرة والحاسوب من أمور الخيال العلمي البعيدة المنال. أو كما كنا قبل ثلاثين عاما فقط لا نتخيل ولا حتى في الأحلام بأنه سيأتي يوم نحمل فيه الهاتف ونتكلم بواسطته أثناء مشينا في الشارع وبدون أن نجر خلفنا سلكا طوله مئات الأمتار، لا بل الأدهى من ذلك هو أن نستمع للموسيقى ونشاهد الأفلام بواسطة هذا الهاتف الصغير! .. فهذه الأمور كنا لا نراها إلا في أفلام الخيال والجاسوسية وبطريقة ساذجة لا ترقى لتقنيات الهاتف الخلوي المعاصرة.
لعل احدث المقترحات المتعلقة بصحة وحياة الإنسان هي تلك التي تروم إلى استغلال تكنولوجيا النانو (Nanotechnology ) لصنع روبوتات فائقة الصغر بإمكانها المرور عبر الأوعية الدموية بسهولة لتعثر على الفيروسات والجراثيم المسببة للإمراض لتفتك بها في الحال وكذلك تساهم في إصلاح وترميم الأنسجة التالفة.
هناك أيضا فكرة أو نظرية تدعى (Mind-to-computer uploading ) تعتقد بأن الإنسان في المستقبل سيصل إلى مرحلة من التطور العلمي بحيث يصبح بإمكانه نسخ ذاكرته بصورة كاملة من دماغه إلى داخل الحاسوب أو إلى رقاقة اليكترونية. وبعد الموت يتم استنساخ هذا الإنسان مجددا ويتم تحميل ذاكرة حياته السابقة إلى دماغه عند ولادته أو في سنوات مبكرة من حياته الجديدة فيستعيد بالتالي جميع خبراته السابقة، وبالطبع طفل أو شخص كهذا لن يحتاج للذهاب إلى المدرسة ولا إلى تعلم الرياضة وقيادة السيارات والتعامل مع الناس والقانون .. الخ، لأن جميع هذه الأمور ستكون مخزنة في دماغه، بل إن إنسانا كهذا يمكن أن يتحول إلى نابغة لأنه سيحظى بالعديد من الخبرات متراكمة .. تصور عزيزي القارئ أن نتمكن من استنساخ اينشتاين وغيره من العباقرة لعدة مرات متكررة مع الاحتفاظ بذاكرتهم كاملة .. كيف سيصبح حال العالم آنذاك ؟.
جثة تم تبريدها من اجل حفظها من التلف للمستقبل
في الحقيقة توجد في عالم اليوم الكثير من الاكتشافات والنظريات والفرضيات حول إطالة عمر الإنسان، وهناك أناس صاروا يؤمنون بأن البشرية ستتمكن في المستقبل القريب من تحقيق العديد من الأمور التي قد تبدو لنا مستحيلة الآن، لذلك صرنا نسمع عن أشخاص يجمدون أجسادهم في الجليد بعد الموت على أمل أن يتمكن العلماء في المستقبل من إعادتهم إلى الحياة، وهذه التقنية يطلق عليها أسم (Cryonics )، وهي تكلف في أمريكا مبلغا قدره 80000 دولار لتجميد الرأس وحده و150000 دولار لتجميد الجسد بأكمله. ورغم أن هذه التقنية قديمة نسبيا إلا إن عدد الأشخاص الذين جمدوا أجسادهم بالفعل بين عامي 1962 - 2010 لا يتجاوز المائتين.
في الختام ينبغي أن ننوه بأن جميع ما ذكرناه أنفا في هذه المقالة عن إطالة عمر الإنسان أو جعله خالدا هي ليست سوى نظريات، ربما تتحقق يوما ما وربما لا .. من يدري؟ لكن هل سنكون أحياء إذا تحققت .. أشك في ذلك. وعلى العموم، فأن الحياة ليست بطولها ولا بعدد سنواتها وإنما بمقدار استمتاعنا بها، فهناك أشخاص في عقدهم الخامس أو السادس من العمر إذا طرحنا من عمرهم ساعات نومهم وعملهم وأوقاتهم الحزينة والكئيبة والصعبة فلن يتبقى من عمرهم سوى ما يعد على الأصابع من السنوات. ثم ما فائدة الحياة الطويلة في العالم العربي ؟ ما فائدة أن تعيش مائة عام من الحسرة والنحيب على فرص ضائعة ومهدورة .. يا الله ما أثقلها !!.
 1 – المقصود بمعدل العمر هو متوسط العمر لمجموعة من الكائنات المتشابهة، فعندما نقول أن متوسط عمر الكلب هو 13 عاما فهذا لا يعني بأنه لا توجد كلاب تموت في الخامسة أو تعيش حتى تبلغ سن الـ 25 عاما، وإنما المقصود بالمعدل هنا هو العمر المفترض للكلب أن يعيشه والأمر ذاته ينطبق على البشر وغيره من المخلوقات.

لغز اختفاء النياندرتال

الحياة في العصر الحجري لم تكن رائعة .. أقول هذا لأولئك الذين ما فتئوا يذكرونا بأيام زمان ويصدعون رؤوسنا ببساطة ودعة وروعة الماضي الغابر .. كلا عزيزي القارئ .. لم تكن جميلة البتة .. كانت عبارة عن مطاردة محمومة ومستمرة تتخللها فترات قصيرة من الراحة.. كان محتوما عليك أن تركض على الدوام .. أركض .. أركض .. فأمامك طريدة .. أو وراءك أنياب مفترسة تسعى لازدرادك. وفي اللحظات القليلة التي تتوقف فيها عن الركض يكون لزاما عليك أن تختبئ في عمق كهف موحش .. وبارد .. ومظلم .. حيث عليك أن تأكل وتنام وتتبرز وتجامع شريك حياتك في نفس البقعة الصغيرة أمام عيون عائلتك المجتمعة حول ذلك الموقد البائس اللعين .. يا لها من حياة ! .. وستكون محظوظا جدا لو نجوت بحياتك حتى تبلغ الثلاثين من عمرك .. فالحياة كانت قصيرة .. وأعداد البشر قليلة .. حمدا لله بأننا لم نخلق في تلك العصور المظلمة التي أروم زيارتها لبرهة قصيرة من خلال هذا المقال .. فما رأيك أن تأتي معي عزيزي القارئ ؟ .. لا تخف .. لن نبقى طويلا.
تمثال تخيلي لإمرأة نياندرتال معروض في احد المتاحف الغربية
التاريخ البشري يغص بالأحاجي والألغاز، فهذا المخلوق العاقل الذي يدعى الإنسان عاش وتسيد على هذه الأرض منذ ظهوره قبل أكثر من مائتي ألف عام، هذا ما يقوله العلم الحديث. لكننا للأسف الشديد نكاد لا نعلم شيئا عما فعله وأنجزه هذا الإنسان خلال تلك الحقب الطويلة المتمادية، إذ تكاد معلوماتنا الوفيرة عنه تنحصر في فترة الخمسة آلاف عام الأخيرة، أي منذ بروز وبزوغ فجر الحضارات الإنسانية الأولى على ضفاف النيل ودجلة والفرات وما رافق ذلك من اختراع الكتابة وبدء التوثيق الكتابي للأحداث والعادات والعقائد السارية في تلك الأزمان الغابرة. أما قبل ذلك، أي قبل اختراع الكتابة، فمعلوماتنا تكاد تنحصر بما تركه القدماء من أدوات حجرية وآوني فخارية وهياكل عظمية مبثوثة هنا وهناك في المغاور والمقابر والكهوف. ولهذا السبب بالذات تعتبر تلك الحقب والعصور التي سبقت التوثيق الكتابي من أشد الفترات غموضا وظلاما في تاريخ البشر، وأكثرها إثارة للجدل.
نوعان مختلفان من البشر
ولا غرو أن إنسان النياندرتال يعد واحدا من أكثر ألغاز عصور ما قبل التاريخ غموضا. فمنذ اكتشاف جمجمته الأولى في بلغاريا عام 1829 ، تعددت وتنوعت الآراء والنظريات والفرضيات حوله إلى درجة التناقض والاختلاف، وهو الأمر الذي قاد إلى نشوء خرافات وشيوع أخطاء كثيرة عنه.
ولعل أكثر تلك الأخطاء شيوعا هي الاعتقاد بأن النياندرتال هو من أسلاف البشر الحاليين، وبأن أجدادنا أيام الكهف كانوا من النياندرتال. وهذا لعمري من أكبر الأخطاء وأعظمها. فنحن والنياندرتال نوعان مختلفان من البشر. صحيح بأننا ننتمي إلى جنس واحد يدعى (Homo ) ، أي الإنسان، وصحيح بأننا أبناء عمومة ننحدر جميعا عن جد واحد عاش في زمن ما قبل خمسمائة ألف عام، وبأننا نتشارك 99.5 من جيناتنا، وأن البعض منا لازال يحمل في جيناته قدرا ضئيلا من جينات النياندرتال ... لكن بغض النظر عن جميع تلك القواسم والمشتركات فنحن البشر الحاليين نعد نوعا مختلفا تماما، نعرف بأسم الإنسان الحديث (Homo sapiens ) فيما يعرف هو بإنسان النياندرتال (Homo neanderthalensis ).
أما الخطأ الشائع الآخر فهو الاعتقاد بأن النياندرتال كان نوعا سابقا لظهور الإنسان الحديث وبأنهما لم يعيشا معا في بقعة واحدة ولم يحدث بينهما أي تقارب واختلاط، وهذا غير صحيح أيضا، فالنوعان عاشا جنبا إلى جنب منذ أن وصل الإنسان الحديث إلى القارة الأوربية قبل حوالي 43 ألف عام وحتى انقراض النياندرتال قبل حوالي 25 ألف عام.

النياندرتال لم يكن مسخا ولا قردا

الصورة النمطية للنياندرتال .. وحش كاسر ..
الاكتشافات والتقنيات الحديثة ساهمت في تفنيد العديد من التصورات والاستنتاجات السابقة لدى العلماء عن النياندرتال وبدأت ترسم لنا صورة مغايرة تماما عن تلك التي علقت بأذهاننا عنه، فإنسان النياندرتال لم يكن بشعا ومتوحشا وغبيا كما اعتادت البرامج الوثائقية والأفلام السينمائية تقديمه لنا. فقد أثبتت عملية إعادة رسم وتشكيل جمجمته بواسطة الحاسوب بأن ملامحه كانت أقرب إلى ملامح الإنسان الحديث منها إلى القرد، مع بروز بسيط أعلى العين وتراجع قليل في الجبهة والذقن، كما أنه لم يكن مخلوقا كث الشعر كما يحاول البعض تصويره، فالأبحاث الحديثة ترجح بأن كثافة شعره لم تكن تختلف كثيرا عن كثافة الشعر على جسد الإنسان الحديث.
طيب إذا كان الإنسان الحديث والنياندرتال متشابهان إلى هذا الحد .. فأين هو الاختلاف بينهما ولماذا صنفا من قبل العلماء على أنهما نوعان مختلفان ؟.
الفرق بين جمجمة النياندرتال والانسان الحديث
في الحقيقة كانت هناك عدة اختلافات ظاهرة بينهما. فقد أثبتت الاكتشافات الحديثة، خصوصا الهيكل العظمي النادر لطفل النياندرتال الذي عثر عليه داخل كهف دودرية بالقرب من حلب في سوريا، بأن دماغ النياندرتال كان مساويا في الحجم لدماغ الإنسان الحديث عند الولادة، لكن مع تقدم السن كان دماغ النياندرتال يتفوق في حجمه على دماغ الإنسان الحديث. لكن هذا التفوق في الحجم لا يعني بالضرورة بأن النياندرتال كان أذكى من الإنسان الحديث، فالعلماء يقولون بأن طريقة نمو وتطور الدماغ بعد الولادة هي التي تلعب دورا محوريا في تحديد مقدار الذكاء، وطريقة نمو الدماغ بحسب العلماء، كانت تصب لصالح الإنسان الحديث على حساب النياندرتال، لكن هذا الأخير لم يكن مخلوقا غبيا عديم الذكاء، إذ ربما كان ذكاءه مساويا للإنسان الحديث في بعض المجالات، فقد كان بارعا في صنع الأدوات والأسلحة الحجرية والاستفادة من جلود الحيوانات لعمل الثياب، وكان يجيد استخدام النار، وهو فوق ذلك مخلوق  اجتماعي يعيش في مجموعات تماما كالإنسان الحديث، وهناك دلائل أيضا على أنه كان يدفن موتاه، وبأنه كان أول من رسم على جدران الكهوف القديمة، فأقدم رسم بشري، ذلك الموجود على جدار أحد الكهوف في اسبانيا، ربما كان من صنع النياندرتال الذي سكن تلك الأصقاع لآلاف السنين.
النياندرتال كان يعيش في الكهوف .. منظر لكهف دودرية في سوريا
أما من الناحية البنيوية والجسدية، فالنوعان كانا متقاربان بطول القامة، إلا أن النياندرتال كان أقوى جسديا بكثير من الإنسان الحديث، كانت يداه جبارتان، كأنهما أدغمتا مع صدره العريض إدغاما. وبالمقابل كان الإنسان الحديث يتفوق على النياندرتال من ناحية الرشاقة والسرعة، فالنياندرتال كان يسير بصعوبة وبطء بسبب طبيعة تكوينه العظمي، وربما بدا للناظر كأنه يترنح من جهة إلى أخرى عند المشي، وكان بحاجة إلى طاقة أكبر عند الركض والقفز والمطاردة، وعليه فأن الإنسان الحديث كانت له اليد العليا في أي مواجهة محتملة مع النياندرتال.
كان مميزا بشعره الأحمر وهي سمة نادرة في البشر اليوم ..
النياندرتال كان مميزا بلون شعره أيضا، هذا ما يقوله بعض العلماء الذين عثروا على جينة تدعى (MC1R ) ضمن عينة من الحمض النووي مأخوذة عن عظام النياندرتال، وبحسب الباحثين فأن هذه الجينة تضفي صبغة حمراء مميزة على الشعر، ومن المعروف بأن الشعر الأحمر هو لون نادر لدى الإنسان الحديث، لذا فأن النياندرتال كان مميزا حتما بخصلات شعره الحمراء التي كانت تتطاير وراء كشعلة لهب أثناء مطاردته للحيوانات التي أعتاد صيدها في وديان وسهول أوربا العصر الحجري.
كان يعيش في مجموعات وربما طور لغة خاصة به ..
علاوة على الاختلافات أنفة الذكر فأن العلماء يعتقدون بأن الإنسان الحديث كان متفوقا أيضا من الناحية الاجتماعية، كان يعيش في مجموعات أكبر وأكثر تنظيما من ناحية تقسيم المهام بين الرجال والنساء، كما كان متفوقا من ناحية تطوير اللغة والتواصل مع أبناء جنسه، بالرغم من أن الرأي العلمي الحديث يرى بأن النياندرتال ربما كان هو الأخر قادرا على الكلام والتفاهم اللغوي، ويذهب بعض العلماء إلى الاعتقاد بأن صناعة وتطوير الأدوات الحجرية وأساليب الصيد الجماعي ما كانت متاحة للنياندرتال لولا وجود نوع من اللغة المتبادلة بين أفراده. وقد عزز هذا الرأي عثور العلماء عام 1983 على العظم اللامي ضمن بقايا عظام النياندرتال، وهذا العظم يكون على شكل حدوه يقع في مقدمة الرقبة أسفل الذقن ووجوده ضروري من أجل النطق والكلام، علاوة على ذلك، عثر العلماء مؤخرا على جين يدعى (FOXP2 ) ضمن عينة من الحمض النووي مأخوذة عن عظام نياندرتال من شمال أسبانيا، هذه الجينة موجودة لدى الإنسان أيضا، ويعتقد العلماء بأنها مسئولة عن اللغة والكلام.
خلاصة القول، بأننا لو كنا نعيش في عصور ما قبل التاريخ المظلمة والباردة، لكنا ميزنا النياندرتال بسهولة كما فعل أجدادنا، وذلك بسبب الاختلافات الواضحة في المظهر العام والسلوك.

لماذا أنقرض النياندرتال ؟

منذ اكتشافه في القرن التاسع عشر ظل العلماء يتساءلون عن سر وسبب انقراض النياندرتال في زمن ما قبل حوالي 24 ألف عام تاركا المجال بالكامل للإنسان الحديث لكي يبسط سيطرته – وشروره - على هذا الكوكب النابض بالحياة. وللإجابة على هذا السؤال وضع العلماء عدة نظريات وفرضيات سنتناولها تباعا وباختصار في الأسطر القليلة القادمة.

نظرية الصراع مع الإنسان الحديث

هل كان أجدادنا وراء أنقراض النياندرتال بسبب طبيعتهم العدوانية ؟ ..
النياندرتال كان متكيفا من الناحية الجسدية للعيش في المناطق الباردة، لهذا أقتصر نطاق وجوده على الرقعة الجغرافية الممتدة من شمال إيران والعراق وبلاد الشام مرورا بآسيا الوسطى وروسيا وأوربا وصولا إلى ساحل البحر المتوسط في أسبانيا حيث كانت الكهوف في منطقة مضيق جبل طارق هي ملاذه الأخير. وقد سكن النياندرتال تلك المساحات الشاسعة وكان سيدا مطلقا عليها لمئات الألوف من السنين حتى نازعه السيادة نوع آخر من البشر ظهر فجأة على مسرح الأحداث وراح ينافسه ويزاحمه في كل شيء. وهذا النوع الثاني لم يكن طبعا سوى الإنسان الحديث الذي عبر أولا من أفريقيا إلى آسيا ثم يمم وجهه صوب أوربا قبل حوالي 43 ألف عام.
وبحسب بعض العلماء، فأن الإنسان الحديث، الذي كان أكثر تنظيما، ويعيش في مجموعات كبيرة، قام باستئصال وطرد النياندرتال تدريجيا ودفع به باتجاه الغرب والجنوب الأوربي حيث ملاذاته الأخيرة. ومما يعزز هذا الرأي لدى العلماء هو سلوك البشر عبر العصور المتسم غالبا بالميل إلى العنف والقسوة والوحشية في التعامل مع المنافسين، أوضح مثال على ذلك هو طريقة تعامل المنتصرين مع الخاسرين في الحروب والنزاعات قديما وحديثا، وكيف تمت إبادة شعوب وقبائل كاملة من السكان الأصليين في أمريكا واستراليا وأفريقيا على مر العصور. هذا فضلا عن إبادة مئات الفصائل والأجناس الحيوانية خلال التاريخ البشري المعبق برائحة الدم والموت.

نظرية التزواج مع الإنسان الحديث

هل تزاوج البشر مع النياندرتال ؟ ..
على العكس من النظرية السابقة، فأن هذه النظرية تزعم بأن النياندرتال أنقرض بسبب اختلاطه وتزاوجه مع الإنسان الحديث، أي أن نسله ضاع واندثر ضمن نسل الإنسان الحديث، وهي حالة معروفة حدثت مرارا عبر العصور، فالمجموعات الصغيرة والمغلوبة على أمرها عادة ما تذوب وتنصهر ضمن المجموعات الأكبر، وقد شهد التاريخ اختفاء العديد من القبائل والأقليات القومية بسبب اختلاطها أو وقوعها تحت سيطرة قوميات أقوى وأكبر.
يحمل سمات النوعان معا ..
وهناك عدة دلائل قوية تؤيد هذه النظرية، ففي عام 1998 عثر العلماء على هيكل عظمي لطفل داخل كهف بالقرب من مدينة لشبونة البرتغالية أطلقوا عليه أسم طفل لاجار فيلو (child of Lagar Velho ) ، وكان لهذا الاكتشاف أهمية عظمى لأن هيكل الطفل العظمي حمل سمات مختلطة بين الإنسان الحديث والنياندرتال، مما يرجح كونه هجينا.
تحليل الحمض النووي يعطينا دليلا آخر على اختلاط النوعين، فمعظم الناس من العرق الأوربي والآسيوي إضافة إلى سكان شمال أفريقيا من ذوي البشرة الفاتحة، يحملون في جيناتهم ما بين 1 – 4 % من جينات النياندرتال، وهي جينات لا يحملها أبناء العرق الأفريقي لأن النياندرتال لم يعش في أفريقيا مطلقا. وهذه النسبة الضئيلة من الجينات تدل على حدوث تزاوج محدود بين الإنسان الحديث والنياندرتال خلال العصور الحجرية القديمة.علاوة على الدلائل المادية فأن دراسة وتحليل السلوك الجنسي للإنسان الحديث لا تجعل مسألة زواجه
الانسان لم يتوانى حتى عن ممارسة الجنس مع الحمير والماعز
 بالنياندرتال أمرا مستبعدا أو عجيبا أو غير متوقع، فالذي يمارس الجنس مع حمار ولا يتردد عن تفريغ شهوته في بقرة أو كلب .. والذي لا يخجل من أن ينزو بالجماد من الدمى والألعاب الجنسية .. الذي يفعل كل هذه الأمور .. لا يتوانى طبعا عن ممارسة الجنس مع غيره من أنواع الإنسان وأشباه البشر. والعلماء يزعمون بأن الإنسان الحديث تزاوج مع نوعين من الإنسان خلال تاريخه الطويل، الأول هو النياندرتال كما أسلفنا، والثاني هو نوع منقرض من أشباه البشر يدعى دنيسفوا (Denisova hominin ) عثر العلماء على عظمة أصبع يده داخل أحد الكهوف الروسية عام 2008. ولأنهم لم يعثروا سوى على أصبع يتيم فقد ظل شكل ذلك المخلوق لغزا يكتنفه الغموض، لكن تحليل الحمض النووي أظهر بأن جميع البشر من العرق الميلانيزي (سكان الجزر في المحيط الهادي) يشتركون في حوالي 6% من جيناتهم مع هذا الإنسان المنقرض الذي عاش على هذه الأرض في زمن ما قبل أكثر من 40 ألف عام.

نظرية التغير المناخي

كان يعتاش على صيد الحيوانات التي انخفضت اعدادها في العصر الجليدي
بحسب هذه النظرية فأن تبدل المناخ خلال العصر الجليدي الأخير قبل أكثر من خمسين ألف عام لعب دورا كبيرا في انقراض النياندرتال، فخلال تلك الحقبة القاسية تحولت أجزاء واسعة من أوربا إلى صحارى قطبية، وأدى ذلك بالتالي إلى انحسار الغابات والمساحات الخضراء التي كانت تشكل مراعي للحيوانات التي أعتاد النياندرتال صيدها، ومع تناقص أعداد تلك الحيوانات واختفاءها، راح النياندرتال يقاسي الجوع إلى درجة أنه صار يأكل لحوم أبناء جنسه، وصار الموت يلاحقه كظله على طول البقعة الممتدة بين جبال القوقاز وصولا إلى بحر المانش، مما أجبر الجماعات القليلة الناجية على التراجع بالتدريج نحو السواحل الأكثر دفئا في جنوب أوربا، خصوصا في شبه الجزيرة الأيبيرية، أي أسبانيا والبرتغال، والتي تعرف بالملاذ الأخير للنياندرتال.
التغير المناخي لم يقتصر على هجوم البرد والصقيع، بل زاد الطين بله ثوران العديد من البراكين الأوربية خلال نفس الفترة، وهذه الانفجارات البركانية بغيومها السوداء وغبارها البركاني أدت إلى القضاء على معظم أشكال الحياة في نطاق وجود إنسان النياندرتال. وهكذا فأن تحالف المناخ السيئ مع الثورات البركانية أدى إلى إضعاف وجود النياندرتال واستنزاف أعداده بشدة، وبالتالي لم يواجه الإنسان الحديث أية منافسة أو مقاومة من قبل النياندرتال المنهك حين وطئت أقدامه أديم القارة الأوربية لأول مرة في زمن ما قبل أكثر من أربعين ألف عام.

نظرية الأمراض والأوبئة

هل اصيب بوباء قاتل قاده الى حافة الانقراض ؟ ..
كما أشرنا سابقا فأن النياندرتال والإنسان الحديث متشابهان بدرجة كبيرة، وعليه فأن النياندرتال، شأنه شأن الإنسان الحديث، كان عرضة للإصابة بالعلل والأمراض والأوبئة القاتلة. ويرى بعض العلماء أن افتقاره للمناعة الطبيعية ضد أنواع معينة من الجراثيم والفيروسات التي حملها الإنسان الحديث معه إلى أوروبا جعلته صيدا سهلا للعديد من الأوبئة الفتاكة التي أضعفت وجوده وأدت إلى انقراضه في النهاية. الأمر شبيه بما حدث في الأمريكيتين بعد اكتشافهما من قبل الأوربيين، فالسفن الأوربية لم تحمل معها المستعمرين والغزاة فقط، بل حملت معها أيضا فيروسات وجراثيم قاتلة كان الإنسان الأوربي قد طور مناعة ضدها من خلال تعرضه لها لآلاف السنين، بينما لم يكن سكان أمريكا الأصليين يملكون أية مناعة طبيعية ضد هذه الفيروسات والجراثيم لأنهم لم يعرفوها ولم يجربوها قبلا، وهكذا وقعوا فريسة سهلة للعديد من أمراض العالم القديم، خصوصا الجدري، الذي حصدا لوحده ملايين الأرواح خلال سنوات قليلة فقط، أما البقية الباقية والقلة الناجية، فقد اختلط معظمهم بالمستعمرين الجدد وبمرور الزمان ذابوا وانصهروا في بوتقة المجتمعات الجديدة التي أنشأها المستوطنين الأوربيين ثم تلاشوا واندثروا إلى الأبد.

نظرية أكل لحوم البشر

صورة من فلم رعب لرجلين يقطعان جثة ويأكلانها .. تمثيل وليس حقيقة ..
العديد من العلماء بدءوا يميلون في الآونة الأخيرة إلى الاعتقاد بأن النياندرتال كان من أكلة لحوم البشر، وبأنه كان مولعا بأكل لحوم أبناء جنسه كولعه بصيد الحيوانات الوحشية، فالبقايا العظمية المتحجرة التي استخرجت من بعض كهوف كرواتيا وايطاليا وفرنسا واسبانيا كانت تحمل آثارا واضحة لتعرضها للتقطيع والتمزيق بعد الموت مباشرة، ربما من أجل التهامها. وأقوى الأدلة على وجود هذه الممارسة الوحشية أتت من كهف إليسدرون (El Sidron ) في شمال أسبانيا، فهناك عثر العلماء على كمية كبيرة من العظام التي يرجح بأنها تعود لعشيرة نياندرتال صغيرة عاشت في ذلك الكهف قبل حوالي 43 ألف عام وكانت تتكون من ثلاث نساء وثلاث رجال وثلاث مراهقين وطفلين ورضيع واحد. وقد حملت عظامهم ندوبا وكسورا وعلامات تشير إلى احتمال تعرض أصحابها للقتل والتقطيع والالتهام من قبل مجموعة نياندرتال أخرى. حيث جرى نزع اللحم عن العظام بواسطة سكاكين وفؤوس حجرية، وحطمت الجمجمة من أجل استخراج الدماغ، وكسرت العظام الكبيرة من اجل استخراج نخاع العظم .. وهذه جميعها أمور تدل على أن من فعل ذلك بتلك الأجساد كان على الأغلب ينوي التهامها.
عائلة كاملة تعرضت للقتل والالتهام من قبل مجموعة نياندرتال أخرى ..
ويميل العلماء إلى الاعتقاد بأن النياندرتال، والإنسان الحديث أيضا، مارسا أكل لحم البشر مرارا وتكرارا خلال تاريخهما الطويل الذي يمتد لعشرات الألوف من السنين، حيث كانا يلتهمان أبناء جنسهما ويلتهم كل منهما الآخر أيضا، وكانت وتيرة هذه الممارسة تزداد في فترات الكوارث والمجاعات التي يندر فيها الحصول على الطعام، كما أرتبط أكل لحم البشر بطقوس وعقائد خرافية كتلك التي كانت منتشرة بين القبائل البدائية في بابوا غينيا الجديدة حيث كان يجري التهام البشر بشكل روتيني حتى منتصف القرن الماضي.
صورة ارشيفية حقيقية من القرن الماضي لبقايا جثة رجل جرى التهامه في بابوا غينيا الجديدة ..
ممارسة أكل لحوم البشر هي لا ريب ممارسة وحشية مرعبة، لكن الأسوأ من ذلك، والأمر الذي قد لا يعلمه أغلب القراء، هو أن لها آثار جانبية خطيرة على الصحة العامة، وقد تنبه الأطباء إلى هذا الأمر خلال دراستهم واستقصائهم أسباب مرض غريب ألم بأفراد قبيلة فور البدائية في بابوا غينيا الجديدة في القرن الماضي. فهذه القبيلة درجت على التهام جثث موتاها، كان تأبين الميت والحزن عليه يتضمن تقطيعه والتهامه من قبل أهله وأصدقائه من أجل المحافظة على "قوة الحياة" الموجودة داخل جسده وحفظها من الضياع، حيث ظن الفور بأن التهامهم لجسد الميت يعني تقاسمهم لقوته وطاقته. ولهذا السبب بالذات كان الرجال يهتمون بأكل قلب الميت وأجزاء بدنه الأكثر ارتباطا بالقوة والصلابة، أما باقي الجثة فكانت تترك للنساء والأطفال، وهؤلاء كانوا مولعون بأكل الأجزاء الدسمة، خصوصا الدماغ، فكانوا يحطمون الجمجمة ويستخرجونه ليأكلوه نيئا من رأس الميت مباشرة. وقد تسبب هذه الممارسة الغريبة بإصابة العديد من أفراد القبيلة ، خصوصا النساء، بمرض نادر يدعى كورو (Kuru ) ، وهو مرض قاتل شبيه بمرض جنون البقر، ينتقل بالعدوى ويؤدي إلى نخر الدماغ محولا إياه إلى ما يشبه الاسفنجة، ويسمى أيضا بمرض الضحك، لأنه المصابين به يفقدون السيطرة على أجسادهم تدريجيا مما يجعلهم يقومون بحركات لا إرادية مثيرة للضحك، وعادة ما يفارق المصاب الحياة خلال أقل من سنة، ولا يوجد حتى اليوم عقار ناجع لعلاج المرض الذي تناقصت حالات الإصابة به بعد توقف أفراد القبيلة عن التهام لحوم البشر في العقود الأخيرة.
وبالعودة إلى النياندرتال، فهناك فريق من العلماء يعتقدون بأن أكل لحم البشر تسبب بإصابة النياندرتال بأمراض وأوبئة خطيرة مشابهة لتلك التي أصابت أفراد قبيلة فور في بابوا غينيا الجديدة مما قاده إلى الانقراض في النهاية.

أخيرا ..

يبقى لغز النياندرتال قائما ..
فأن كل قلناه حول النياندرتال يبقى في حيز الفرضية والاحتمال، فالعلماء لا يملكون من المعلومات حول هذا المخلوق المنقرض سوى ما تقدمه عظامه وأحجار الصوان التي أستعملها في مطاردة الحيوانات والأعداء، ولهذا السبب بالذات، أي لقلة المعلومات وشحتها، يبقى موضوع النياندرتال من المواضيع الشائكة والمثيرة للجدل خصوصا بين أنصار نظرية التطور (1) وأنصار الأصل السماوي (2) للحياة على هذه الأرض، وهو جدل قديم متجدد نحن في غنى عن التطرق أليه لأننا بصراحة غير مؤهلين لا علميا ولا دينيا للخوض فيها. لكن خلاصة ما يمكن أن نقوله في ختام هذا المقال هو أن النياندرتال لم يكن قردا ولا وحشا .. ولا كان من أسلاف البشر الحاليين .. ربما كان من الكائنات التي أبدعها الخالق قبل ظهور البشر على هذه الأرض .. إذ لا يوجد ما يمنع فرضية أن الأرض كانت مسكونة بمخلوقات وكائنات أخرى قبل ظهور البشر.
هوامش :
1 – نظرية التطور لتشارلز دارون (Theory of evolution) : نظرية التطور - باختصار وتبسيط شديد - تزعم بأن أصل جميع الكائنات والمخلوقات الموجودة على كوكبنا يرجع إلى سلف واحد مشترك ظهر على هذه الأرض قبل أكثر من ثلاثة مليارات عام عن طريق تفاعلات كيميائية حدثت في بيئة مثالية وتحولت إلى شكل من أشكال الحياة البسيطة ثم تطورت تدريجيا وانحدرت منها جميع الأنواع عن طريق عملية الاصطفاء الطبيعي التي يمكن تلخيصها بعبارة "البقاء للأقوى والأصلح"، أي أن الصفات والسمات الجيدة هي التي تبقى وتتأصل وقد تتطور في النهاية إلى أنواع جديدة. ولتبسيط الأمر أكثر فأن ما قامت به الطبيعة عبر ملايين السنين هو أشبه بما يقوم به الإنسان حاليا في المختبرات ومعامل البحوث من عملية اصطفاء صناعي، حيث يتم التلاعب بجينات النباتات لتطوير السمات الجيدة والقضاء على السمات السيئة للحصول في النهاية على نباتات مطورة جينيا تحمل الصفات والسمات المرغوبة والمطلوبة فقط، أو كما في قيام المزارعين بتوليد وتهجين سلالات مختلفة من الحيوانات الأليفة للحصول على سلالات جديدة تحمل صفات وسمات محسنة.
لكن كيف لنا أن نصدق بأن السحلية تحولت إلى طائر بحسب نظرية التطور ؟! ..
الجواب يكمن في الطفرات .. وهي تغييرات جينية تتم غربلتها وتصفيتها عن طريق الاصطفاء الطبيعي حيث يتم إبعاد الطفرات الضارة في حين تتراكم الطفرات المحايدة حتى تصبح شائعة، وهذه الطفرات لا تحدث خلال ليلة وضحاها، بل قد تتطلب آلاف وملايين السنين لحدوثها ولذلك تصعب ملاحظتها ومراقبتها.
لكن أين هي الأدلة على حدوث هذه الطفرات ؟ .. أين هو المخلوق الذي يظهر لنا بجلاء حدوث طفرة بين السحلية والطائر؟ ..
الطفرات تحدث على الدوام، وأغلبها ضارة، مثل التشوهات الولادية، التخلف العقلي، الصلع، حساسية اللاكتوز، السرطانات .. الخ .. العلماء يقولون بأن مثل هذه الطفرات حولت السحلية إلى طائر من خلال عملية طويلة استمرت لملايين السنين .. أما أين هو الدليل الأحفوري الذي يثبت حدوث هذه الطفرات .. أي أين هو المخلوق الذي يحمل سمات السحلية والطائر معا، فهذا هو ما يسمى بالحلقة المفقودة في نظرية التطور.
2 - نظرية الأصل السماوي : أنصار هذه النظرية ينقسمون فريقين، احدهما – الأغلبية - يؤمن بأن جميع الأنواع والأجناس على الأرض هي صنع الله خلقت بأحسن صورة وتقويم منذ البداية ولم تتطور تدريجيا، وهناك فريق آخر يزعم بأن الحياة أتت إلى هذه الأرض من كوكب أو جرم سماوي آخر، ربما حطت بواسطة صحن طائر، أو حملها نيزك أو مذنب ما إلى الأرض.

مدخل تاريخي حول الشيطان و العقائد المرتبطة به‏

كثير منّاً قد سمع حتماً عن ظاهرة عبدة الشيطان، و لكن القليل من يعرف شيئاً عن هذه الجماعة نظراً لشحّ ‏المعلومات عنها بالعربية و ارتباطها بأفكار و تصوّرات ممزوجة بسوء الفهم، فتارة هم جزء من مؤامرة يهودية ‏عملاقة على العالم و تارة هم عملاء للموساد و تارة هم ماسونيون و مازوشيون و بطّيخيون...ألخ، لكنّ الكثير منّا ‏يرغب فعلاً في معرفة حقيقة هذه الطائفة بعيداً عن المغالطات الإعلامية : من هم ؟ ماهي معتقداتهم ؟ ما هي ‏طقوسهم ؟ كيف شكلهم ؟ هل يقدمون القرابين البشرية ؟ هل يمارسون الجنس مع الأموات ؟ ماذا تعني رموزهم ‏و أشكالهم ؟...لماذا يعبدون الشيطان و ما الذي يدفعهم إلى ذلك ؟.‏ أسئلة كثيرة تدور في خلد كل واحد منّا حول هؤلاء القوم، و قد حاولت الإجابة عنها بشكل وافي و مفصّل في هذه ‏المقالة المتواضعة مبيّناً تاريخهم و فرقهم و طقوسهم و رموزهم و بعض الجرائم المرتبطة بهم، متوخّياً الدقّة ‏العلمية ملتزماً بالحياد قدر الإمكان. فهناك الكثير من الأمور الغريبة و الطقوس المرعبة التي يروّج العديدون أنها ‏مرتبطة بعبدة الشيطان، و قد أخذت على عاتقي تمحيصها و مراجعتها من مصادرهم و تمييز الصحيح من الملفّق ‏حتّى تكون للقراء فكرة واضحة عنهم.‏
من هو الشيطان ؟!
صورة متخيلة للشيطان بعد ان حل عليه غضب الله
للشيطان أسماء عديدة مثل إبليس أو الحية القديمة، وكلمة شيطان مأخوذة من كلمة "شطن" العبرية ومعناها "المقاوم" وكلمة "إبليس" مأخوذة من كلمة "ديابولوس" اليونانية ومعناها "المفترى".
تتّفق الديانات السماوية الثلاث على أن الله قد خلق الملائكة قبل أن يخلق الإنسان، وأعطاهم حرية إرادة وفرصة اختيار،فاختار الملائكة أن يعيشوا في خضوع لله، وارتباط مستمر به،طائعين له  واثقين أنه في يدي الله، السعادة والقداسة والخلود. وذلك فيما عدا واحد منهم و هو إبليس الذي عصى أمر الله و رفض السجود لآدم عندما أًمر بذلك. يقول القرآن الكريم :"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" (البقرة - آية)، و يقول الكتاب المقدّس: "كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح. كيف قطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم. وأنت قلت في قلبك أصعد إلى السموات، أرفع كرسي فوق كواكب الله، أصير مثل العلى.. لكنك انحدرت إلى الهاوية إلى أسافل الجب" (إشعياء 12:14-15).
ما هي عبادة الشيطان ؟؟
يمكن تعريف مصطلح "عبادة الشيطان" من خلال معنيين ؛ عام وخاص ، وهو كما يلي:
المعنى العامّ : وهي تطلق على كل عبادة لا يتوجه بها إلى الله تعالى، فإن كل معصية لله ، هي بمثابة طاعة للشيطان و عبادة له و قد ورد ذلك في الكتب السماوية إذ يقول القرآن الكريم "ألم أعهد لكم يا بني آدم ألاّ تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوّ مبين" (أي لا تعبدوه و ذلك بان تطيعوه في معصية الله)، و يقول الكتاب المقدّس :""لا تعطوا إبليس مكاناً" (أف 27:4).
كما يُطلق مصطلح عبادة الشيطان في الكثير من الأدبيات على كل ما هو وثني وحيواني وغريزي عرفه الإنسان ، بدءاً من الصورة الوثنية للقوة التي تحكم العالم ، مروراً بالوضاعة والحسية ، والجنس الحيواني الذي لا يعرف ضوابط أو محاذير...ويلاحظ مما سبق أن الإطلاق العام لعبادة الشيطان يتضمن كل تمرد على الدين والفضيلة ، وما ينافي الدين والأخلاق ، وينزع إلى الوثنية والانحلال وإشباع الغرائز دون ضابط ، إنما هو عبادة وتقرب وإرضاء للشيطان .
المعنى الخاصّ : عبادة الشيطان بمعناها الخاص هي العبادة الحرفية للشيطان و اعتباره بمرتبة الإله الذي يحيي و يميت، يعطي و يمنع، يعاقب و يجازي، مرادها كسب رضاه عبر القيام بطقوس و عبادات و تقديم قرابين.

عبادة الشيطان عبر التاريخ :
صورة متخيلة للشيطان في مخطوطة اوربية قديمة
إن عبادة الشيطان ليست شيئاً حديثاً كما يظن الكثيرون، وإنما هي قديمة، ضاربة في عمق التاريخ...عبادة الشيطان لها جذور في معظم حضارات العالم ولعل أقدمها كان لدى الفراعنة فكما تشير الكتب أنه كان لديهم إلهين الأول إله الخير وهو ما يعرف بأوزريس والآخر إله الشر ويعرف بـ ست - أحياناً يسمى ساتان- وكلاهما كان مقدس . وكذلك الهنود كان لديهم أكثر من إله من ضمنها إله الشر المعروف بـ شو . و في بابل و أشور تذكر الأساطير أن هناك آلهة النور وآلهة الشر وكانا في صراع دائم .وهناك طوائف عدة تعبد الشيطان منها الشامانية والمانوية تؤمنان بقوة الشيطان وتعبدانه ومازال لهما بعض الأتباع في أواسط آسيا يقدمون له الضحايا والقرابين.
يرى بعض الباحثين أن فكرة عبادة الشيطان ترجع بأصولها إلى الديانة الغنوصية التي انتشرت مع انتشار المسيحية ولدى الغنوصية أن العالم في الحقيقة هو الجحيم , وأنه عالم الشر ولا يمكن أن يخلقه إله خير , وهم يعتبرون أن كل القصص التي تتحدث عن الخلق في الديانات السماوية مغلوطة.
الحضارة الفرعونية :
امتازت الديانات القديمة في مصر، بميزتين هامتين، من بين مزاياها المختلفة، وهما:
1 -  التمييز الواضح بين الخير والشر ، ونسبة كل منهما لخالق مغاير .
2 - الإيمان بالبعث والجزاء ، وإن كان بغير ما جاءت به الشرائع السماوية.
الآله الفرعوني ست احد تجليات الشيطان في العصور القديمة
نظراً لتعدد الآلهة وكثرتها في الحضارة الفرعونية ، فقد تعددت آلهة الشر عندهم ،فنجد أن " أبيب الذي كانوا يرسمونه في صورة حية ملتوية تحمل في كل طية من جسمها مدية ماضية ، وتكمن للشمس بعد المغيب ، فلا يزال إله الشمس " رع " في حرب معها ومع شياطينها ا لسود والحمر إلى أن يهزمها قبيل الصباح فيعود إلى الشروق " فهو يمثل آلهة الشر – الشيطان ، كذلك عبد المصريون الآلهة "حاتمور أو حاتحور" التي تم تكليفها بمعاقبة البشر لاستنكافهم عن عبادة الإله " رع " ، فانقضت تلاحق البشر في كل مكان تطعن وتقتل وتسفك الدماء ، فعبدوها اتقاء شرها. ولكن أشهر من مثّل الشر أو الشيطان في حضارة الفراعنة هو الإله " ست " الشرير الذي قتل شقيقه " أوزوريس " إله الخير والمحبة الذي أحبه الناس وكان " ست " يعد إله الأرواح الخبيثة وملك الموت والدمار ، كما كان المسئول عن كل الشرور التي تصيب أرض مصر وشعبها ،فقد كان بمقدور كل مصري في عهد الأسرة المتأخرة أن يقص كيف غضب " ست " إله الجفاف الخبيث ، الذي أيبس الزرع بأنفاسه المحرقة ، كيف غضب هذا الإله الخبيث من أوزير " النيل " لأنه يزيد بفيضه من خصب الأرض ، فقتله وحكم بجفافه الجبار في مملكة أوزير  ، ورغم أن الفراعنة نسبوا إلى " ست " وزر كل الآفات والأزمات أو حتى الهزائم ونقص الثروة ، إلا أنهم عبدوه ، وكانت تلك العبادة في الغالب خوفاً منه واتقاءاً لشره ، وليس محبة فيه .
الحضارة الهندية القديمة :
الآلهة الهندية كالي ربة الموت
على الرغم من كثرة العقائد والديانات التي مرت على الهند أو استقرت فيها ، وعلى الرغم من الكثرة المفرطة للملل والآلهة هناك ، إلا أن الإيمان بثنوية الكون والخلق – الذي يعني عندهم ثنوية الآلهة - ، يكاد يكون قاسماً مشتركاً بين معظم تلك الملل والعقائد والديانات ، خاصة وأن الهنود  لم يسبقهم شعب قط في اعترافهم اعترافاً واضحاً بأن الشر يتوازن مع الخير ، لذا فالديانة البرهمية تؤمن بثالوث من الآلهة هم : براهما " الخالق "، "فشنو" إله الخير والفضيلة ، و " شيفا " إله الشر المدمر ، ولأن " براهما " ليس له مهمة إلا الخلق ، فقد كان مهملا ً في شعائر العبادة الفعلية، أما " عبادة " شيفا " فهي من أقدم وأعمق وأبشع العناصر التي منها تتألف الديانة الهندية ، فعلى الرغم من أنه إله القسوة والتدمير المولوِل الصارخ المصحوب بالعاصفة ، وله القدرة على التحكم في المرض وهو إله مرعب، لذلك كان يجب استرضاؤه حتى في إطلاق الاسم عليه " فإن كلمة " شيفا " لفظة أريد بها التخفيف من بشاعة الإله ، فالكلمة " شيفا " معناها الحرفي " العطوف" وتعدى الأمر ذلك حيث أصبح " شيفا " مركزاً للعبادة ، بل ظهرت فرق خاصة لعبادته ، مثل فرقة " حملة الجماجم " ، والتي كانت طقوسهم في العبادة تشمل شرب الخمر ، وأكل اللحوم وممارسة الجنس. وكان لكل إله من الآلهة " شاكتي " أي زوجة أو قرينة ، وكانت " كالي " هي زوجة "شيفا " ، وكانت هي أيضاً موضع عبادة عند جماعات من الهنود ، رغم أن صورتها عند عامة الناس شبح أسود بفم مفغور ، ولسان متدلٍ تزدان بالأفاعي ، وترقص على جثة ميتة، وأقراطها رجال موتى ، وعقدها سلسلة من الجماجم ، ووجهها وثدياها تلطخها الدماء ، ومن أيديها الأربعة يدان تحملان سيفاً ورأساً مبتوراً !! ، وقد كانت عبادتها أيضاً ذات طقوس وحشية ، كثيراً ما يتضمن تضحية بشرية ، بل إن جماعة " الخناقين " استمرت أكثر من ستة قرون تتعبد للإله " كالي " بخنق ضحاياها. ومما يثير الانتباه أن بعض تلك الطقوس لا زالت تمارسها بعض جماعات عبدة الشيطان إلى يومنا هذا، كطقوس الجنس الجماعي ، والتضحية الحيوانية، والرقص على جثث الموتى، والتزين بسلاسل وأقراط الجماجم ، وتلطيخ الأجساد بالدماء ، كما سيأتي في هذه المقالة .
الحضارة الفارسية :
اهريمان .. اله الشر و الظلمة في الديانة الزرادشتية
لقد كانت – الحضارة الفارسية – بمثابة التربة الخصبة للثنوية ، وهم القائلون بإلهين اثنين ، إله الخير وإله الشر ، ويتضح ذلك إذا عرفنا أن أكبر ديانات فارس كانت تدين بالثنوية ، فالزرادشتية التي أسسها " زرادشت بن يورشب" ، تقوم في الأساس على أن العالم تحكمه قوتان متضادتان ، هما النور والظلمة ، إله النور " أهورامزدا " إله الخير الذي لا يمكن أن يكون مسئولاً عن الشر ، وإله الشر " أهرمان " المسئول عن خلق وإيجاد كل الشرور والمصائب ، بل يجعلون تاريخ العالم ما هو إلا تاريخ للصراع بين الله والشيطان، وقسموا " هذا التاريخ إلى أربع فترات تمتد كل منهما ثلاثة آلاف سنة ، الفترتين الأولى والثانية كانت لتجهيز القوات ، وكانت المرحلة الثالثة مرحلة الاشتباك في الصراع ، وفي الفترة الأخيرة سوف ينهزم الشيطان في النهاية ، وفي بداية الخلق اخترق الشيطان.استحكامات السماء ، وهاجم الإنسان الأول والحيوان الأول بالمرض والموت.
وكذلك أيضاً الديانة المانوية ، التي أسسها "ماني بن فاتك" الذي كان يقول بالثنوية ، واعتبر العالم كونين منفصلين ، أحدهما نور ، والآخر ظلمة ، وأن الشيطان جاء من أرض الظلمة ، وتكون منها ، ثم أفسد فاستحق النزول إلى أسفل ، ولكنه أراد العلو فعلم به ملك النور ، فاحتال ليقهره ثم تبعهم "مزدك" فأسس "المزدكية" التي تقول بكونين وأصلين أيضاً، هما النور والظلمة.
حضارات الشرق الاوسط القديمة :
عاشت على أرض الشرق الأوسط لعديد من الحضارات ، منها الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين ، التي كان من بين آلهتها " أساج " الذي كان يمثل الشر أو الشيطان ، فهو يمثل عفريت الأوبئة والأمراض ، وهو من العالم السفلي واسمه يعني "الذي ضرب الذراع "، وعبده السومريون اتقاء شره .
كما كان في الديانة السومرية أيضاً إلهاً آخر يمثل صورة الشيطان الشرير هو "حدد" أو "هدد" ، الذي كان أيضاً إلهاً للآشوريين ،وهو إله الجو الذي يركب العاصفة وهو يرعد كالثور ، ممسكاً في يده بشوكة البرق الثلاثية ، وكان موضع توقير وتبجيل على الرغم من أنه كان يجلب الخراب والدمار.
عند العرب القدماء :
أما في شبة الجزيرة العربية، فكان عرب الجاهلية يؤمنون بقوى عليا شريرة ، تؤثر في الإنسان والكون ، لذا كان التنجيم والتطير أمراً مشهوراً عندهم، يقول القرآن عن ذلك :"و جعلوا لله شركاء من الجنّ"...حيث كان بعض مشركي العرب يعبدون الجن ، وهم لا يعرفون من هم الجن ، ولكنها أوهام الوثنية، ولقد عرفت الوثنيات المتعددة في الجاهليات المتنوعة أن هناك كائنات شريرة – تشبه فكرة الشياطين – وخافوا هذه الكائنات ، سواء كانت أرواحاً شريرة أو ذوات شريرة وقدموا لها القرابين اتقاءاً لشرها ، ثم عبدوها.
العالم المسيحي القديم :
تجمع لأعضاء فرقة الكثارية المسيحية و الى الاعلى صورة رمزهم الديني و هو الصليب الموضوع داخل دائرة
عرف العالم المسيحي القديم ظهور العديد من الفرق التي اعتبرت مهرطقة و التي بتأثير من الوثنية قالت بوجود بإلهين ، إله الخير وإله الشر ، فقد ظهر في القرن الثاني للميلاد الكثيرون ممن يقولون بذلك، لعل أشهرهم "باسيليدس، فالنتينوس ومرقيون" وكان لمرقيون جماعة تسمى "المرقونية" وهم يقولون بإلهين وأصلين قديمين، واستمر ظهور الفرق التي تقدس الشيطان في المجتمع المسيحي ، حتى أصبحت أوروبا معششاً لتلك الفرق، ومنها " الشامانية و الأورفية والبوجمولية والألبية" وكلها فرق وجماعات تعتقد عقيدة واحدة ، رغم اختلاف أسمائها ، و عقيدتهم هي تقديس الشيطان الذي يرون فيه المتمرد والثائر ونصير العبيد.
بيد أن أشهر الفرق التي عبدت الشيطان في المجتمع المسيحي هي " الكثارية " والاسم مشتق من كلمة يونانية بمعنى " الأطهار " ، وكانت عقيدتهم قائمة على القول بإله للخير وإله للشر ، وأن الشيطان هو الذي خلق العالم المرئي ، وأن المادة كلها شر ، وكانوا يسخرون من طقوس العبادات المسيحية ، وينكرونها ، ويهزءون بصكوك الغفران ، ويسمون الكنائس "معششات اللصوص"، والقساوسة في رأيهم خونة وكاذبين ومنافقين. وقد قويت شوكة هؤلاء في الكثير من بلاد أوروبا ، خاصة فرنسا ، وكثر أتباعهم ، إلى أن جاء " أنوسنت الثالث " على كرسي البابوية ، فأمر بقمعهم ، وتعرضوا لإبادة جماعية أنهت وجودهم. ولكن أفكارهم لم تنته ، فقد استمر ظهور فرق وجماعات تعبد الشيطان في أوروبا ، ففي عام 1335 م سيق ثلاثة وستون رجلاً وامرأة إلى محاكم التفتيش في طولوز ، فقالت إحداهن "إن الله ملك السماء ، والشيطان ملك الأرض ، وهما ندان م تساويان سرمديان يتساجلان النصر والهزيمة ، وينفرد الشيطان بالنصر البيّن في العصر الحاضر" وحين انتشر الطاعون في أوروبا وقتل ثلث سكانها في القرن الرابع عشر الميلادي ،ارتد عدد كبير عن المسيحية وعبدوا الشيطان بدعوى أنه اغتصب مملكة السماء ، ثم ظهرت عدة جماعات تعبد الشيطان ، وقامت بقتل الأطفال ، وتسميم آبار المياه مثل : " جمعية الصليب الوردي" وجمعية " ياكين" والشعلة البافارية والشعلة الفرنسية وأخوة آسيا.
العالم الإسلامي القديم :
يؤمن المسلمون ان الشيطان كان احد الجن و انه مخلوق من النار
عرف ازدهار الدولة الإسلامية في العهد العبّاسي بداية ظهور بعض الجماعات التي تقدّس الشيطان و أحياناً تعبده و ذلك إثر اختلاط الأجناس و الديانات في بغداد، فانسلّت تأثيرات من الوثنية القديمة و الفلسفة الإغريقية لتظهر بعض الحركات مثل "المقنعة" و "الخرمية" في زمن الخليفة أبي جعفر المنصور التي تؤمن بتلك الأمور.
كما برزت بعض الشخصيات التي تعطي الشيطان مكانة سامية ، وتدافع عنه قائلة بأنه عابد موحد رفض السجود لغير الله ، ونجح في الابتلاء ، ولعل أول من قال بذلك، ودعا إليه الحلاج، فقد صرح أن الشيطان لم يسجد لآدم لفرط محبته لله ، ولأنه سيد الموحدين، حيث جاء في " الطواسين" قوله : " وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، حيث أُلبس عليه العين ، وهجر اللحوظ والألحاظ في السر ، وعبد المعبود على التجريد ... فقال له "اسجد" ، قال : لا غير، قال له "إنّ عليك لعنتي" قال : لا ضير، ما لي إلى غيرك سبيل و إنّي محبّ ذليل.
وذهب الحلاج إلى أبعد من ذلك ، حيث يصر على أن إبليس لم يرتكب جرماً برفضه السجود ، والتمرد على أمر الله ، حيث يقول : "وحقه ما أخطأت في التدبير ، ولا رددت التقدير ، ولا باليت بتغيير التصوير ، ولا أنا على هذه المقادير بقدير ، إن عذبني بناره أبد لأبد ، ما سجدت لأحد ، ولا أذل لشخص وجسد"....الجدير بالذكر أن الحلاّج تمتّ معاقبته على كلامه بأن قُطّعت يداه و رجلاه و قطع لسانه و سُملت عيناه و تم صلبه على أبواب بغداد حتّى مات.
الإيزيديون : هل هم من عبدة الشيطان ؟
معبد ايزيدي في شمال العراق و الى الاعلى صورة الملك الطاووس
أثارت ملاحظة لنائب كردي ايزيدي في الجمعية الوطنية العراقية، توجه بها الى رئيس الوزراء، طالباً منه مراعاة مشاعر الايزيديين بعدم التعوذ من الشيطان، انتباه بعض الأوساط ووكالات الأنباء، التي ذهب بعضها لتعريف الديانة الايزيدية (اليزيدية) باعتبارها ديانة تقول بعبادة الشيطان، وان الايزيديين هم عبدة الشيطان!...و ذلك امتداد للأفكار المغلوطة التي كان يتداولها الناس حول الإيزيديين خصوصاً في الشرق الأوساط أين يكثر تواجد أتباع هذه الطائفة، حيث ادّى الفهم الخاطئ لمعتقداتهم بالإضافة إلى تقوقعهم و انغلاقهم على أنفسهم أن يُنعتوا بعبدة الشيطان و شتّى أوصاف الانحراف و الشذوذ.
والحقيقة أن هذا الأمر يحوي افتراءاً على أنصار هذه الديانة القديمة واتباعها، وتكراراً لخطأ وقع فيه عدد ممن كتبوا عن هذه الديانة، إما جهلاً أو عمداً، تبريراً لما لحق بالايزيديين من مظالم واعتداءات، منذ أيام السلطنة العثمانية حتى أيام الحكم الملكي في العراق، وفي أيام نظام صدام حسين الذي سعى إلى تعريبهم وتسميتهم بـ «الأمويين».
فالواقع أن الإيزيديين موحّدون يؤمنون بالله الواحد الأحد، و يؤمنون بمعظم ما أتت به الأديان السماوية و لكنّهم ينكرون أن الله عاقب الشيطان (الذي كان من الملائكة) على عصيانه  و يؤكّدون أنه حدث العكس أي أن الله جازى إبليس على رفضه السجود لغير الله بأن جعله كبير الملائكة و جعله من المقرّبين...لذا فالإيزيديون يقدّسون الشيطان كما يقدسون جميع الملائكة، و يرفضون لعنه أو التعوذ منه لأنهم يعتبرونه ملاكاً و يدعونه (الملك الطاووس).
لذا  كما قلنا فلديانة الايزيدية ديانة توحيدية، تؤمن بإله واحد، وهي غير تبشيرية، أي أن أتباعها منغلقون على أنفسهم، ويسعون للحفاظ على كيانهم، فلا يتزوج الايزيدي من غير الايزيدية ولا الايزيدية من غير الايزيدي، كما تقضي بذلك وصايا دينهم. وليس بإمكان غير الايزيدي أن يصبح ايزيدياً. وبسبب هذا الانغلاق، وبسبب عيشهم في مناطق جبلية وعرة، منعزلة في السابق، وخشيتهم القراءة والكتابة، التي كانت محصورة بفئة اجتماعية صغيرة لها حق التعليم فقط، لأداء المراسم الدينية والاطلاع على كتبهم الدينية المقدسة، كثرت الأقاويل عنهم وعن ديانتهم، ووجهت لها الاتهامات من قبيل عبادة الشيطان، أو تقديسهم ليزيد بن معاوية (وأنهم كانوا ينعتون باليزيديين، كما لو أن التسمية تعود ليزيد).
وقد تحمل الايزيديون بسبب ذلك الكثير من الاتهامات التي من بينها أنهم طائفة منحرفة من أحد الأديان. غير أن تخلصهم من التقوقع والانعزال في الجبال، وفي وادي لالش، حيث معابدهم الرئيسية، مكنهم من تبديد الكثير مما لحق بهم وبديانتهم من أقاويل وخيالات لا تمت إلى الواقع بصلة. و إيضاح واقع أن لا علاقة لهم بيزيد بن معاوية، ولا بالأمويين، وأنهم ليسوا من عبدة الشيطان، وكل ما في الأمر أنهم يكرهون اللعن، ولا يحبذون جمع حرفي الشين والطاء، ويتجنبون ذكر الشيطان، ويحرمون البصاق على الأرض علناً.
فهم قوم موحدون يؤدون صلواتهم عند الفجر متوجهين نحو الشمس، وعند الزوال ظهراً وعند الغروب. ويقولون في صلاة الفجر مثلاً: «باسم الله (يزدان) المقدس الرحيم الجميل. إلهي لعظمتك ولمقامك ولملوكيتك، يا رب أنت الكريم الرحيم، الإله "ملك" ملك الدنيا جملة الأرض والسماء، ملك العرش العظيم».
يكره الايزيديون الألوان الغامقة بشكل عام ويميلون الى اللون الأبيض لون النور. ويكرهون التعبد أمام الغرباء. وتشبه بعض طقوسهم الدينية طقوس الديانة المندائية (الصابئة). وللمرأة مكانة محترمة في الديانة الايزيدية، إذ أنهم لا يمنعون تولي المرأة سلطة دينية أو دنيوية إذا اقتضت الضرورة .
ولئن احتمى الايزيديون في السابق بالجبال والعزلة فيها للمحافظة على كيانهم، فإنهم اليوم ينفتحون على العالم، ويتحدثون عن ديانتهم وتقاليدهم وشعائرهم بحرية، في أعقاب الخلاص من الحكم الديكتاتوري السابق، وفي ظل حكومة إقليم كردستان، التي أتاحت الفرصة لهم لذلك. إذ توجد اليوم ست مدارس ايزيدية في مدينة دهوك وحدها. كما أن لديهم مركزاً ثقافياً ومجلة ثقافية تصدر بانتظام باسم «لالش»، وهو اسم المركز الثقافي أيضاً.
عبادة الشيطان المعاصرة :‏
اليستر كراولي واضع اسس عبادة الشيطان في العصر الحديث
بقيت عبادة الشيطان موجودة ، وظلت هناك فرق وجماعات تعبد الشيطان وتؤدي الطقوس ‏الشيطانية ، إلا أن ذلك كان يتم بسرية ، ودون تنظيم أو رابط بين تلك الفرق والجماعات ، يأتي ‏ذلك بسبب محاكم التفتيش التي حكمت على عبدة الشيطان بالإعدام والحرق، إلى أن ظهر "آليستر ‏كراولي" (1875-1941) الذي يعد واضع أسس عبادة الشيطان في العصر الحديث ، بدأ بالدفاع ‏عن الحرّية المطلقة و التحرر من جميع القيود الأخلاقية و الاجتماعية عبر كتبه ومحاضراته ، ثم ‏انضم إلى جماعة " العهد الذهبي " السرية، حتى أصبح معلمها الأول وأعلن " كراولي " أنه يتمنى ‏أن يصبح قديس الشيطان !!‏
وفي عام 1900 ترك كراولي جماعة " العهد الذهبي " وأسس جماعة خاصة به أطلق عليها اسم " ‏النجم الفضي " ، وأخذ يتنقل عبر العالم يدعو لأفكاره ، إلا أن السلطات الإيطالية طردته . وذلك ‏بعد أن عرف عنه الترويج للمخدرات وتعاطيها ، وتقديم الذبائح والتضحيات وبقي " كراولي " ‏متنقلاً بين البلاد داعياً إلى معتقداته وباحثاً عن اللذّة المحرّمة ، إلى أن وجد ميتاً بين زجاجات ‏الخمر وحقن المخدرات.‏
وقد وضع " كراولي " خمس نظريات لنجاح وانتشار الفكر الشيطاني، نظريات "كراولي" الخمس ‏هي :‏
‏1 -  توريط العوائل في عبادة الشيطان ، مما يضمن انتقال التعاليم إلى الأبناء .‏
‏2 -  مهمة جيله هي نشر التعاليم الشيطانية و الأجيال القادمة عليها الحفاظ عليها و تطويرها،‏
‏3 -   قيام عدد من الأشخاص بوضع تعاليم خاصة ضد القانون والدين والشرائع .‏
‏4 - قيام مجموعة من عبدة الشيطان بتنظيم القوانين ، والدعوة إلى المعتقدات الشيطانية ، وجذب ‏وإغواء الجمهور بشتى الوسائل المغرية .‏
‏5 -  الاهتمام بفئة الشباب المترمد و الثائر على المجتمع ، فهم قوة التغيير في العالم.‏
إضافة إلى هذه النظريات التي وضعها " كراولي " كأساس لنشر الفكر الشيطاني في أنحاء العالم ، ‏وضع أيضاً ما أسماه الشيطانيون " قانون كراولي " وهو يتضمن الحقوق التي يجب أن يتمتع بها ‏كل إنسان ، وهذه الحقوق هي :‏
أ- لكل إنسان أن يعيش وفق مزاجه الخاص ، فيعيش كما يريد ، ويلهو كما يريد ، ويرتاح كما يريد ‏، ويسكن أينما يريد ، ويلبس كما يريد ، ويأكل كما يريد ، ويشرب كما يريد .‏
ب - كما أن لكل إنسان أن يعيش كما يريد ، أيضاً له الحق أن يموت متى يريد ، لذا كثيراً ما يقدم ‏عبدة الشيطان على الانتحار .‏
ج- للإنسان الحق أن يفكر كما يريد ، ويتكلم بما يريد .‏
د- للإنسان الحق أن يحب كما يريد ، ويمارس الجنس كما يريد مع من يريد .‏
ودخلت " عبادة الشيطان " المرحلة الهامة من تاريخها ، على يد اليهودي الأمريكي "أنطون ‏ساندور ليفي" (1930-1997) الذي تلقف أفكار " كراولي " وصاغها وأضاف إليها ، ثم أسس ‏كنيسة الشيطان ‏Church of satan ‏ وأقام أول كنيسة للشيطان في الأرض ،  وضع أول كتاب ‏شيطاني هو " الإنجيل الشيطاني " ، وعمل جاهداً على جمع شتات الشيطانيين في العالم تحت ‏مظلته ، كما قام ب أعمال كثيرة لنشر أفكاره ومبادئه، وقد أدت جهود " ليفي " إلى انتشار عبادة ‏الشيطان في العديد من بلاد العالم ، خاصة أمريكا وأوروبا وجنوب أفريقيا.‏
لقد تعددت فرق وجماعات عبدة الشيطان في العصر الحديث، و لكن هناك توجّهان للشيطانيين أو ‏الإبليسيين مختلفان إلى درجة التناقض و هما :‏
الإبليسية الإلحادية ‏Atheistic Satanism ‏ : و أتباعها هم ملحدون ينكرون وجود الله و ينكرون ‏وجود الشيطان و لا يؤمنون بالحياة بعد الموت و لكنهم يبجّلون الشيطان و يقدّسونه كرمز للتحرر و ‏الانعتاق من كل القيود الاجتماعية و الإخلاقية (المزيّفة حسبهم)، فينظرون إلى الشيطان (بمعنى ‏أدقّ الصورة النمطية عن الشيطان لأنهم كما قلنا لا يؤمنون يوجوده) على أنّه رمز الثورة و التمرد ‏و تمجيد الذات،إذن فالشيطان عندهم ليس ذلك الكائن الذي له قرون وذيل ، وإنما هو يتمثل في فكرة ‏إنكار الحدود وإعلان الذات والإرادة و الثورة على التقاليد و العادات الاجتماعية و الدينية و ‏الإخلاقية.‏
لذلك لا يصحّ تسمية هؤلاء بعبدة الشيطان لأنّهم لا يعبدونه بالمعنى الحرفي و لا يعترفون بأية ‏طقوس أو عبادات أو قرابين، التسمية الأصحّ لهم هي "الإبليسيون الملحدون" أو "الشيطانيون ‏الملحدون".‏
الإبليسية الروحانية ‏Theistic Satanaism ‏ : هؤلاء هم من نسمّيهم بعبدة الشيطان لأنّهم ‏يتّخذون من الشيطان إلهاً يتقرّبون إليه و يخطبون ودّه خوفاً من سطوته و يرجون اتّقاء شرّه عبر ‏القيام بطقوس و عبادات و تقديم القرابين. ‏
كما يضفون عليه صفات الكمال فهو إله الشر ، وإله الظلام ، وحامل النور ، ورئيس العالم ، ‏ورئيس الجميع ، وغيرها من صفات الكمال التي أضفاها عبدة الشيطان عليه لذا فإنهم يتوجهون إليه ‏بالصلاة والدعاء ، متذللين إليه ، كما جاء في صلاة خاصة لهم تُسمى " صلاة الزعيم " والتي ‏يرددون فيها هذه التراتيل : "أيها الشيطان ، زعيم الأبالسة الجهنمية ، يا ملك الهاوية والعقاب ، ‏أضرع إليك أن تُصغي إلى صلاتي ، بارك عبدك في خدمتك أمامك".‏
كما ترى عزيزي القارئ، فالإبليسيون ينقسمون إلى توجهين يتناقضان في النظرة إلى الشيطان و ‏لكنهما يتوافقان في بقية الأمور كإنكار الحدود و إباحة الملذات المحرّمة و تمجيد الذات و شتم و ‏ازدراء الأديان، بالإضافة إلى الشذوذ في كل شيء بدءاً من الملابس و الوشوم و انتهاءاً بطريقة ‏التفكير و الميول الجنسية.‏

الرأسمالية هي سبب أزمة الغذاء

300مليون شخص يعانون من سوء التغذية في جنوب الصحراء الأفريقية، هذا هو الرقم المتوقع في عام 2010 بينما كان يعتبر في الفترة من 1988 إلى 1990 حوالي 175 مليون شخص. أما نصيب الفرد من الغذاء في نفس المنطقة فمن المتوقع أن يصل لـ 2170 كالوري يوميًا عام 2010 بينما يتوقع أن يكون 3470 كالوري يوميًا في الدول المتقدمة. أما جنوب أسيا فمن المتوقع أن يبلغ نصيب الفرد فيها من السعرات الحرارية يوميًا عام 2010 حوالي 2450 سعر حراري، مع وجود 195 مليون شخص يعانون من نقص تغذية حاد، بينما في وقتنا الحالي يقدر عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية حوالي 96 مليون طفل. وتتوقع تقديرات منظمة الفاو أن يرتفع صافي استيراد الدول النامية من الغذاء من 90 مليون طن متري في أعوام 1988 – 1990 إلى حوالي 160 مليون طن متري بحلول عام 2010 هذا بافتراض استطاعة هذه الدول توفير الموارد المالية اللازمة لذلك وهو بالطبع أمر مشكوك فيه لتبقى ملامح الكارثة واضحة. لا تعني هذه الأرقام أن أزمة الغذاء والجوع هي فقط أزمة مستقبلية، فالأزمة أو بالأحرى المأساة هي أمر واقع يعيشه حاليًا ملايين الفقراء في العالم ولنحاول معًا رصد ملامح هذه الكارثة.
في أواخر عام 1996 (نوفمبر 1996) تنبهت المنظمة الدولية للأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن أكثر من 840 مليون نسمة منهم 200 مليون طفل تحت سن الخامسة يموتون بسبب الجوع سنويًا (طبقًا لإحصائيات عام 1992). لذلك قامت المنظمة في منتصف شهر نوفمبر 1996 بعقد مؤتمر حافل في روما تحت عنوان "مكافحة الجوع" حيث حضره ممثلين على أعلى المستويات من جميع دول العالم. وبينما يموت 35 ألف شخص يوميًا. نصفهم من الأطفال – بسبب الجوع، تناقش الحاضرين في جميع جوانب المشكلة وقلبوها على كل الأوجه ليخرجوا في النهاية بنتائج مبهرة. منها ما أكده المبعوث الأمريكي من أن "النقص في التغذية لا يشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان" وليوصي المؤتمر بناءًا على ذلك بتقليل عدد الجوعى إلى النصف عام 2015 فعلى الجوعى في العالم إذن الاطمئنان والنوم قريري الأعين حتى عام 2015 عندما توضع التوصيات العنترية للمؤتمر محل التنفيذ هذا المؤتمر بنقاشاته وتوصياته هو مثال على نوعية النقاشات والتوصيات والإدعاءات التي تدور على المستويات الرسمية والتي تنقلها لنا أجهزة الإعلام البرجوازي في محاولة لبث وعي زائف وللترويح للإدعاءات البرجوازية حول أسباب الجوع ومشاكل سوء التغذية في العالم وحول طرق القضاء على هذه المشاكل.
أول هذه الإدعاءات هو ما يتعلق بفكرة عدم وجود غذاء كافي ونقص الموارد الطبيعية في العالم!! بما يعني أن انتشار المجاعات وسوء التغذية في العالم أمرًا طبيعيًا!! ولعل أبسط ما يوصف به هذا الادعاء هو "السفالة" فما بين 1982 و1983 التي عانت أثناءها دول العالم الثالث من آثار الركود الاقتصادي وأزمة الديون والتي طاردتنا أثناءهما صور الأطفال ذوي البطون المنتفخة على شاشات التليفزيون، بسبب الجوع. في نفس هذا الوقت ارتفع مخزون اللبن البودره الغني بالبروتينات من 576.000 طن إلى 916.000 طن. وخلال العام التالي ارتفع هذا المخزون ليصل إلى حوالي مليون طن. بينما تضاعف مخزون الزبد في نفس الفترة ليصبح 622.000 طن بعد أن كان 3.6000 طن وفي عام 1992 كان مخزون الحبوب في العالم قد وصل لـ 200 مليون طن، بينما شهد النصف الأول من عام 1991 معاناة 27 مليون شخص – في منطقة الساحل والقرن الأفريقي – من عذاب الموت البطيء بسبب الجوع. وبينما يقتل الجوع سنويًا من 18 إلى 20 مليون شخص كل عام وبينما يعاني 100 مليون شخص من سكان أفريقيا – البالغ عددهم 520 مليون شخص – من عدم حصولهم على الغذاء الكافي يتزايد مخزون الغذاء العالمي ويرتفع باضطراد.
السبب وراء هذا التناقض العجيب يكمن في طبيعة النظام الرأسمالي والسعي المحموم وراء الربح وفي هذا السياق وفي ظل قانون العرض والطلب تحول الغذاء وهو أبسط الحقوق الإنسانية إلى "سلعة" يجب المحافظة على قيمتها القياسية وضمان عدم انخفاض سعرها عن حد معين ضمانًا لاستمرار تحقيق الأرباح المنشودة وفي هذا الإطار نجد أن الدول الرأسمالية الكبرى تتفق مبالغ طائلة – ليس في إنتاج الغذاء – ولكن في منع أسعار المواد الغذائية من التراجع عن حد معين. حيث تقوم حكومات دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا بدفع دعم كبير لمزارعيهم في مقابل عدم قيامهم بزراعة أرضهم، كذلك تقوم هذه الحكومات بشراء كميات كبيرة من سلع موجودة بوفرة بهدف تخزينها أو التخلص منها للمحافظة على أسعارها وهو ما تمكن دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية أن ترفع سعر القمح من 157 دولار للطن عام 1995 إلى 271 دولار عام 96 أي بزيادة قدرها 144 دولار في الطن وذلك حيث قامت بتخزين 200 مليون طن من القمح تاركة الملايين يموتون جوعًا.
وإذا كنا قد تحدثنا عن إدعاء البرجوازية الكاذب بأن عدم توفر غذاء كافي في العالم هو سبب الجوع فلا بد لنا من التطرق للسبب المفضل الذي تطاردنا به وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم وخاصة في مصر مؤكدة أنه سبب كل المشاكل التي نعاني منها وخاصة الفقر ألا وهو الازدياد في عدد السكان. لعل أفضل رد على هذا الادعاء هو ما تؤكده التقديرات والدراسات العلمية من أن زراعة 44 % من أراضي العالم القابلة للزراعة يمكن أن يكفي لإعاشة من 10 إلى 12 ضعف عدد سكان الأرض الحاليين. مما لا يمكن معه تفسير وجود ملايين البشر يموتون سنويًا بسبب الجوع بادعاء ازياد عدد السكان، فعدم العدالة في توزيع المواد هو في الواقع السبب الحقيقي في وفاة هؤلاء البشر، فكما تشير الإحصائيات منذ 30 عام ومعدل إنتاج الطعام يسبق معدل النمو السكاني بـ 16 %. وإذا نظرنا لمصر على سبيل المثال لاتضح لنا بشكل أكبر أن المشكلة تكمن في واقع الأمر في كيفية توزيع الموارد المتاحة وليس في الزيادة السكانية كما تؤكد أبواق دعاية الحكومة ويكفي أن ننظر لبعض المؤشرات الدالة على عدم صحة هذا الادعاء. ففي عام 1995 بلغ إنفاق مصر على الدفاع ما يوازي 2417 مليون دولار أمريكي وفي عام 90، 91 بلغ حجم الإنفاق العسكري 52 % من حجم الإنفاق على التعليم والصحة معًا. وفي عام 1985 بلغ حجم الإنفاق العسكري 7.2 % من إجمالي الناتج القومي بينما في نفس العام بلغ حجم الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية الأساسية 5.3 % من إجمالي الناتج القومي. وفي ضوء هذه المؤشرات تتضح الصورة، فالزيادة المستمرة في عدد السكان في مصر سببها الرئيسي الفقر وما تمثله العائلة الكبيرة من إمكانية زيادة الموارد، كضمان اجتماعي للأبوين ضد الفقر. وهو ما يفسر لماذا تنتشر الزيادة في أعداد الأطفال بين الطبقات الدنيا في المجتمع. والسبب طبعًا ليس الجهل كما تدعي الدولة وإنما هو الفقر والاحتياج، الذي يجعل من كل طفل جديد، مورد جديد يضاف لموارد الأسرة ولا يختلف الوضع كثيرًا في دول العالم الثالث ذات نسب الزيادة السكانية المرتفعة، مما يعني أن سياسات تنظيم الأسرة التي تتبناها هذه الدول ليست هي الحل لمشاكل الجوع والفقر.
ما عرضناه سابقًا قد يجعل الصورة تبدو وكأن مشكلة الجوع في العالم هي مشكلة دول العالم الأول في مواجهة دول العالم الثالث وبأن هناك مؤامرة على شعوب العالم الثالث من قبل الدول المتقدمة وهو التفسير المفضل لمنظري مدرسة التبعية ودعاة التنمية المستقلة.
إلا أن واقع الأمر مختلف تمامًا، فمرة أخرى تؤكد الأرقام أن الفقراء في العالم كله هم دائمًا الضحايا ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يوجد 30 مليون نسمة يعانون من الجوع وسوء التغذية. ذلك لا يمنع من وجود فارق كبير بين قوة اقتصاديات دول العالم الأول بالمقارنة بدول العالم الثالث بما يجعل عدد من يعانون الفقر والجوع أقل. لكن هذا الفارق لم يقض على الفقر في الدول المتقدمة لأن وجود الفقر في العالم كله كان وسيظل مرتبطًا بطبيعة النظام الرأسمالي والتفاوت الكبير في توزيع الموارد مهما ازدادت، بما يعني حتمية استمرار الفقر في العالم طالما استمرت الرأسمالية. ولعل أبسط مثل على هذا هو أيضًا الولايات المتحدة الأمريكية التي وبسبب رغبة رأسماليتها في الحفاظ على مصالحها الحيوية في منطقة الشرق الأوسط قادت الحملة العسكرية على العراق في النصف الأول من 1991، والتي كانت تتكلف فيها بليون دولار أمريكي يوميًا بينما كما ذكرنا آنفًا يوجد بها 30 مليون يعانون الجوع وسوء التغذية.
وإذا كانت نسب الجوع في دول العالم الثالث وأعداد من يموتون بسبب نقص الغذاء ترتفع كثيرًا عن مثيلتها في الدول المتقدمة. فهذا التفاوت في واقع الأمر هو الوجه الآخر للعملة. فبسبب طبيعة الرأسمالية التوسعية وسعيها الدائم وراء التراكم الرأسمالي اتجهت الدول الرأسمالية الأوربية في بداية ظهور الرأسمالية لاستعمار الدول الأقل تقدمًا بحثًا وراء المزيد من المواد الخام الرخيصة ولفتح أسواق جديدة لتصريف منتجاتها. لذلك قامت الدول الاستعمارية بعملية نهب منتظم ومستمر لهذه المستعمرات، وبالتالي تمت إعاقة نمو وتطور هذه الدول، وأصبح مستوى تطورها مرتبطًا باحتياجات الإمبريالية وبالتالي كان النظام الرأسمالي هو السبب الرئيسي وراء تدهور اقتصاديات دول ما أصبح يعرف الآن بالعالم الثالث واستمرت حالة اللاتساوي في النظام الرأسمالي العالمي سببًا وراء استمرار تخلف هذه الدول وشدة تأثرها بأزمات هذا النظام.
ومن هنا كانت الأزمة التي تعرض لها النظام الرأسمالي العالمي في بداية السبعينات هي السبب وراء التدهور الحالي في حالة سكان دول العالم الثالث وفي ارتفاع أعداد الموتى منهم بسبب الجوع. هذه الأزمة التي دفعت معظم دول العالم الثالث لتبني سياسات الإصلاح الهيكلي وجعلتها فريسة لصندوق النقد الدولي بقروضه وفوائدها. هذه السياسات الجديدة كان لها انعكاساتها المدمرة على أوضاع سكان العالم الثالث، حيث انخفض الإنفاق الاجتماعي بهذه الدول وتزايد معدل أزماتها الاقتصادية، مما عني مزيد من الطحن والاستنزاف لشعوبها من أجل حفاظ هذه الأنظمة الرأسمالية الهشة على وجودها.
وهكذا فالمجاعات ليست ظواهر طبيعية، ولا يمكن اعتبار الملايين من الموتى من ضحاياها في دول العالم الثالث كضحايا الفيضانات وغيرها من الظواهر الطبيعية المدمرة. في الواقع هم ضحايا عدم العدالة الاجتماعية، وضحايا حكوماتهم الساعية وراء الاندماج في الرأسمالية العالمية أو التي انهارت في أثناء سعيها هذا، هم ضحايا الرأسمالية المتقدمة التي تلقى باطنان الطعام في البحر حفاظًا على سعره مرتفعًا.
المستفيد الحقيقي إذن من وراء هذه المجاعات هم مالكي الأراضي (ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية المملوكة لأشخاص متركزة في أيدي 2.5 % من أصحاب الأراضي) الذين يحققون أرباحًا هائلة بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية. المستفيد أيضًا هو الاحتكارات الزراعية المتعددة الجنسية التي تحقق أرباحًا فلكية من وراء التجارة في الغذاء، والحكومات ومن بينها حكومات العالم الثالث التي تستفيد من المعونات الاقتصادية وتظل تطحن في شعوبها لاستخراج آخر قطرة من دمائهم غير مبالية لتساقطهم ضحايا الجوع.
وهكذا طالما استمرت الرأسمالية كنظام مهيمن، سيستمر الجوع وتستمر أعداد الضحايا في ارتفاع مستمر. الأمل الوحيد أمام الجوعى والفقراء والمستغلين في هذا العالم هو في قيام نظام آخر أكثر عدالة، عندما يتحكم العمال في وسائل إنتاج المواد الغذائية وفي توزيعها وعندما يسيطرون على موارد العالم الطبيعية ويوجهونها لخدمة البشرية.

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

محمود درويش..جدارية

هذا هُوَ اسمُكَ /
قالتِ امرأةٌ ،
وغابتْ في المَمَرِّ اللولبيِّ…
أرى السماءَ هُنَاكَ في مُتَناوَلِ الأَيدي .
ويحملُني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صَوْبَ
طُفُولَةٍ أَخرى . ولم أَحلُمْ بأني
كنتُ أَحلُمُ . كُلُّ شيءٍ واقعيٌّ . كُنْتُ
أَعلَمُ أَنني أُلْقي بنفسي جانباً…
وأَطيرُ . سوف أكونُ ما سأَصيرُ في
الفَلَك الأَخيرِ .
..
وكُلُّ شيء أَبيضُ ،
البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ
بيضاءَ . والَّلا شيء أَبيضُ في
سماء المُطْلَق البيضاءِ . كُنْتُ ، ولم
أَكُنْ . فأنا وحيدٌ في نواحي هذه
الأَبديَّة البيضاء . جئتُ قُبَيْل ميعادي
فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي :
(( ماذا فعلتَ ، هناك ، في الدنيا ؟ ))
ولم أَسمع هُتَافَ الطيِّبينَ ، ولا
أَنينَ الخاطئينَ ، أَنا وحيدٌ في البياض ،
أَنا وحيدُ …
..
لاشيء يُوجِعُني على باب القيامةِ .
لا الزمانُ ولا العواطفُ . لا
أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ
الهواجس . لم أَجد أَحداً لأسأل :
أَين (( أَيْني )) الآن ؟ أَين مدينةُ
الموتى ، وأَين أَنا ؟ فلا عَدَمٌ
هنا في اللا هنا … في اللازمان ،
ولا وُجُودُ
..
وكأنني قد متُّ قبل الآن …
أَعرفُ هذه الرؤيا ، وأَعرفُ أَنني
أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ . رُبَّما
ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ
ما أُريدُ …
سأصيرُ يوماً ما أُريدُ
..
سأَصيرُ يوماً فكرةً . لا سَيْفَ يحملُها
إلى الأرضِ اليبابِ ، ولا كتابَ …
كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من
تَفَتُّح عُشْبَةٍ ،
لا القُوَّةُ انتصرتْ
ولا العَدْلُ الشريدُ
..
سأَصير يوماً ما أُريدُ
..
سأصير يوماً طائراً ، وأَسُلُّ من عَدَمي
وجودي . كُلَّما احتَرقَ الجناحانِ
اقتربتُ من الحقيقةِ ، وانبعثتُ من
الرمادِ . أَنا حوارُ الحالمين ، عَزَفْتُ
عن جَسَدي وعن نفسي لأُكْمِلَ
رحلتي الأولى إلى المعنى ، فأَحْرَقَني
وغاب . أَنا الغيابُ . أَنا السماويُّ
الطريدُ .
..
سأَصير يوماً ما أُريدُ
..
سأَصير يوماً كرمةً ،
فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن ،
وليشربْ نبيذي العابرون على
ثُرَيَّات المكان السُكَّريِّ !
أَنا الرسالةُ والرسولُ
أَنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ
..
سأَصير يوماً ما أُريدُ
..
هذا هُوَ اسمُكَ /
قالتِ امرأةٌ ،
وغابتْ في مَمَرِّ بياضها .
هذا هُوَ اسمُكَ ، فاحفظِ اسْمَكَ جَيِّداً !
لا تختلفْ مَعَهُ على حَرْفٍ
ولا تَعْبَأْ براياتِ القبائلِ ،
كُنْ صديقاً لاسمك الأُفُقِيِّ
جَرِّبْهُ مع الأحياء والموتى
ودَرِّبْهُ على النُطْق الصحيح برفقة الغرباء
واكتُبْهُ على إحدى صُخُور الكهف ،
يااسمي : سوف تكبَرُ حين أَكبَرُ
سوف تحمِلُني وأَحملُكَ
الغريبُ أَخُ الغريب
سنأخُذُ الأُنثى بحرف العِلَّة المنذور للنايات
يا اسمي: أَين نحن الآن ؟
قل : ما الآن ، ما الغَدُ ؟
ما الزمانُ وما المكانُ
وما القديمُ وما الجديدُ ؟
..
سنكون يوماً ما نريدُ
..
لا الرحلةُ ابتدأتْ ، ولا الدربُ انتهى
لم يَبْلُغِ الحكماءُ غربتَهُمْ
كما لم يَبْلُغ الغرباءُ حكمتَهمْ
ولم نعرف من الأزهار غيرَ شقائقِ النعمانِ ،
فلنذهب إلى أَعلى الجداريات :
أَرضُ قصيدتي خضراءُ ، عاليةُ ،
كلامُ الله عند الفجر أَرضُ قصيدتي
وأَنا البعيدُ
أَنا البعيدُ
..
في كُلِّ ريحٍ تَعْبَثُ امرأةٌ بشاعرها
- خُذِ الجهةَ التي أَهديتني
الجهةَ التي انكَسَرتْ ،
وهاتِ أُنوثتي ،
لم يَبْقَ لي إلاّ التَأمُّلُ في
تجاعيد البُحَيْرَة . خُذْ غدي عنِّي
وهاتِ الأمس ، واتركنا معاً
لا شيءَ ، بعدَكَ ، سوف يرحَلُ
أَو يَعُودُ
..
- وخُذي القصيدةَ إن أَردتِ
فليس لي فيها سواكِ
خُذي (( أَنا )) كِ . سأُكْملُ المنفى
بما تركَتْ يداكِ من الرسائل لليمامِ .
فأيُّنا منا (( أَنا )) لأكون آخرَها ؟
ستسقطُ نجمةٌ بين الكتابة والكلامِ
وتَنْشُرُ الذكرى خواطرها : وُلِدْنا
في زمان السيف والمزمار بين
التين والصُبَّار . كان الموتُ أَبطأَ .
كان أَوْضَح . كان هُدْنَةَ عابرين
على مَصَبِّ النهر . أَما الآن ،
فالزرُّ الإلكترونيُّ يعمل وَحْدَهُ . لا
قاتلٌ يُصْغي إلى قتلى . ولا يتلو
وصيَّتَهُ شهيدُ
..
من أَيِّ ريح جئتِ ؟
قولي ما اسمُ جُرْحِكِ أَعرفِ
الطُرُقَ التي سنضيع فيها مَرّتيْنِ !
وكُلُّ نَبْضٍ فيكِ يُوجعُني ، ويُرْجِعُني
إلى زَمَنٍ خرافيّ . ويوجعني دمي
والملحُ يوجعني … ويوجعني الوريدُ
..
في الجرّة المكسورةِ انتحبتْ نساءُ
الساحل السوريّ من طول المسافةِ ،
واحترقْنَ بشمس آبَ . رأيتُهنَّ على
طريق النبع قبل ولادتي . وسمعتُ
صَوْتَ الماء في الفخّار يبكيهنّ :
عُدْنَ إلى السحابة يرجعِ الزَمَنُ الرغيدُ
..
قال الصدى :
لاشيء يرجعُ غيرُ ماضي الأقوياء
على مِسلاَّت المدى … [ ذهبيّةٌٌ آثارُهُمْ
ذهبيّةٌٌ ] ورسائلِ الضعفاءِ للغَدِ ،
أَعْطِنا خُبْزَ الكفاف ، وحاضراً أَقوى .
فليس لنا التقمُّصُ والحُلُولُ ولا الخُلُودُ
..
قال الصدى :
وتعبتُ من أَملي العُضَال . تعبتُ
من شَرَك الجماليّات : ماذا بعد
بابلَ؟ كُلَّما اتَّضَحَ الطريقُ إلى
السماء ، وأَسْفَرَ المجهولُ عن هَدَفٍ
نهائيّ تَفَشَّى النثرُ في الصلوات ،
وانكسر النشيدُ
..
خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ عالية ٌ…
تُطِلُّ عليَّ من بطحاء هاويتي …
غريبٌ أَنتَ في معناك . يكفي أَن
تكون هناك ، وحدك ، كي تصيرَ
قبيلةً…
غَنَّيْتُ كي أَزِنَ المدى المهدُورَ
في وَجَع الحمامةِ ،
لا لأَشْرَحَ ما يقولُ اللهُ للإنسان ،
لَسْتُ أَنا النبيَّ لأَدَّعي وَحْياً
وأُعْلِنَ أَنَّ هاويتي صُعُودُ
..
وأَنا الغريب بكُلِّ ما أُوتيتُ من
لُغَتي . ولو أخضعتُ عاطفتي بحرف
الضاد ، تخضعني بحرف الياء عاطفتي ،
وللكلمات وَهيَ بعيدةٌ أَرضٌ تُجاوِرُ
كوكباً أَعلى . وللكلمات وَهيَ قريبةٌ
منفى . ولا يكفي الكتابُ لكي أَقول :
وجدتُ نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب .
وكُلَّما فَتَّشْتُ عن نفسي وجدتُ
الآخرين . وكُلَّما فتَّشْتُ عَنْهُمْ لم
أَجد فيهم سوى نَفسي الغريبةِ ،
هل أَنا الفَرْدُ الحُشُودُ ؟
..
وأَنا الغريبُ . تَعِبْتُ من ” درب الحليب ”
إلى الحبيب . تعبتُ من صِفَتي .
يَضيقُ الشَّكْلُ . يَتّسعُ الكلامُ . أُفيضُ
عن حاجات مفردتي . وأَنْظُرُ نحو
نفسي في المرايا :
هل أَنا هُوَ ؟
هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل
الأخيرِ ؟
وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض ،
أَم فُرِضَتْ عليَّ ؟
وهل أَنا هُوَ من يؤدِّي الدَّوْرَ
أَمْ أَنَّ الضحيَّة غَيَّرتْ أَقوالها
لتعيش ما بعد الحداثة ، بعدما
انْحَرَفَ المؤلّفُ عن سياق النصِّ
وانصرَفَ المُمَثّلُ والشهودُ ؟
..
وجلستُ خلف الباب أَنظُرُ :
هل أَنا هُوَ ؟
هذه لُغَتي . وهذا الصوت وَخْزُ دمي
ولكن المؤلِّف آخَرٌ…
أَنا لستُ مني إن أَتيتُ ولم أَصِلْ
أَنا لستُ منِّي إن نَطَقْتُ ولم أَقُلْ
أَنا مَنْ تَقُولُ له الحُروفُ الغامضاتُ :
اكتُبْ تَكُنْ !
واقرأْ تَجِدْ !
وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ ، يَتَّحِدْ
ضدَّاكَ في المعنى …
وباطِنُكَ الشفيفُ هُوَ القصيدُ
..
بَحَّارَةٌ حولي ، ولا ميناء
أَفرغني الهباءُ من الإشارةِ والعبارةِ ،
لم أَجد وقتاً لأعرف أَين مَنْزِلَتي ،
الهُنَيْهةَ ، بين مَنْزِلَتَيْنِ . لم أَسأل
سؤالي ، بعد ، عن غَبَش التشابُهِ
بين بابَيْنِ : الخروج أم الدخول …
ولم أَجِدْ موتاً لأقْتَنِصَ الحياةَ .
ولم أَجِدْ صوتاً لأَصرخَ : أَيُّها
الزَمَنُ السريعُ ! خَطَفْتَني مما تقولُ
لي الحروفُ الغامضاتُ :
ألواقعيُّ هو الخياليُّ الأَكيدُ
..
يا أيها الزَمَنُ الذي لم ينتظِرْ …
لم يَنْتَظِرْ أَحداً تأخَّر عن ولادتِهِ ،
دَعِ الماضي جديداً ، فَهْوَ ذكراكَ
الوحيدةُ بيننا ، أيَّامَ كنا أَصدقاءك ،
لا ضحايا مركباتك . واترُكِ الماضي
كما هُوَ ، لا يُقَادُ ولا يَقُودُ
..
ورأيتُ ما يتذكَّرُ الموتى وما ينسون …
هُمْ لا يكبرون ويقرأون الوَقْتَ في
ساعات أيديهمْ . وَهُمْ لايشعرون
بموتنا أَبداً ولا بحياتهِمْ . لا شيءَ
ممَّا كُنْتُ أو سأكونُ . تنحلُّ الضمائرُ
كُلُّها . ” هو ” في ” أنا ” في ” أَنت ” .
لا كُلٌّ ولاجُزْءٌ . ولا حيٌّ يقول
لميِّتٍ : كُنِّي !
..
.. وتنحلُّ العناصرُ والمشاعرُ . لا
أَرى جَسَدي هُنَاكَ ، ولا أُحسُّ
بعنفوان الموت ، أَو بحياتيَ الأُولى .
كأنِّي لَسْتُ منّي . مَنْ أَنا ؟ أَأَنا
الفقيدُ أَم الوليدُ ؟
..
الوقْتُ صِفْرٌ . لم أُفكِّر بالولادة
حين طار الموتُ بي نحو السديم ،
فلم أكُن حَيّاً ولا مَيْتاً،
ولا عَدَمٌ هناك ، ولا وُجُودُ
..
تقولُ مُمَرِّضتي : أَنتَ أَحسَنُ حالا ً.
وتحقُنُني بالمُخَدِّر : كُنْ هادئاً
وجديراً بما سوف تحلُمُ
عما قليل …
..
رأيتُ طبيبي الفرنسيَّ
يفتح زنزانتي
ويضربني بالعصا
يُعَاونُهُ اثنانِ من شُرْطة الضاحيةْ
..
رأيتُ أَبي عائداً
من الحجِّ ، مُغمىً عليه
مُصَاباً بضربة شمسٍ حجازيّة
يقول لرفِّ ملائكةٍ حَوْلَهُ :
أَطفئوني ! …
..
رأيتُ شباباً مغاربةً
يلعبون الكُرَةْ
ويرمونني بالحجارة : عُدْ بالعبارةِ
واترُكْ لنا أُمَّنا
يا أَبانا الذي أخطَأَ المقبرةْ !
..
رأيت ” ريني شار ”
يجلس مع ” هيدغر ”
على بُعْدِ مترين منِّي ،
رأيتهما يشربان النبيذَ
ولا يبحثان عن الشعر …
كان الحوار شُعَاعاً
وكان غدٌ عابرٌ ينتظرْ
..
رأيتُ رفاقي الثلاثَةَ ينتحبونَ
وَهُمْ
يَخيطونَ لي كَفَناً
بخُيوطِ الذَّهَبْ
..
رأيت المعريَّ يطرد نُقَّادَهُ
من قصيدتِهِ :
لستُ أَعمى
لأُبْصِرَ ما تبصرونْ ،
فإنَّ البصيرةَ نورٌ يؤدِّي
إلى عَدَمٍ …. أَو جُنُونْ
..
رأيتُ بلاداً تعانقُني
بأَيدٍ صَبَاحيّة : كُنْ
جديراً برائحة الخبز . كُنْ
لائقا ً بزهور الرصيفْ
فما زال تَنُّورُ أُمِّكَ
مشتعلاً ،
والتحيَّةُ ساخنةً كالرغيفْ !
..
خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ . نهرٌ واحدٌ يكفي
لأهمس للفراشة : آهِ ، يا أُختي ، ونَهْرٌ واحدٌ يكفي لإغواءِ
الأساطير القديمة بالبقاء على جناح الصَّقْر ، وَهْوَ يُبَدِّلُ
الراياتِ والقممَ البعيدةَ ، حيث أَنشأتِ الجيوشُ ممالِكَ
النسيان لي . لاشَعْبَ أَصْغَرُ من قصيدته . ولكنَّ السلاحَ
يُوَسِّعُ الكلمات للموتى وللأحياء فيها ، والحُرُوفَ تُلَمِّعُ
السيفَ المُعَلَّقَ في حزام الفجر ، والصحراء تنقُصُ
بالأغاني ، أَو تزيدُ
..
لاعُمْرَ يكفي كي أَشُدَّ نهايتي لبدايتي
أَخَذَ الرُّعَاةُ حكايتي وتَوَغَّلُوا في العشب فوق مفاتن
الأنقاض ، وانتصروا على النسيان بالأَبواق والسَّجَع
المشاع ، وأَورثوني بُحَّةَ الذكرى على حَجَرِ الوداع ، ولم
يعودوا …
..
رَعَويَّةٌ أَيَّامنا رَعَويَّةٌ بين القبيلة والمدينة ، لم أَجد لَيْلاً
خُصُوصِيّاً لهودجِكِ المُكَلَّلِ بالسراب ، وقلتِ لي :
ما حاجتي لاسمي بدونكَ ؟ نادني ، فأنا خلقتُكَ
عندما سَمَّيْتَني ، وقتلتَني حين امتلكتَ الاسمَ …
كيف قتلتَني ؟ وأَنا غريبةُ كُلِّ هذا الليل ، أَدْخِلْني
إلى غابات شهوتك ، احتضنِّي واعْتَصِرْني ،
واسفُك العَسَلَ الزفافيَّ النقيَّ على قفير النحل .
بعثرني بما ملكتْ يداك من الرياح ولُمَّني .
فالليل يُسْلِمُ روحَهُ لك يا غريبُ ، ولن تراني نجمةٌ
إلاّ وتعرف أَنَّ عائلتي ستقتلني بماء اللازوردِ ،
فهاتِني ليكونَ لي - وأَنا أُحطِّمُ جَرَّتي بيديَّ -
حاضِريَ السعيدُ
..
- هل قُلْتَ لي شيئاً يُغَيِّر لي سبيلي ؟
- لم أَقُلْ . كانت حياتي خارجي
أَنا مَنْ يُحَدِّثُ نفسَهُ :
وَقَعَتْ مُعَلَّقتي الأَخيرةُ عن نخيلي
وأَنا المُسَافِرُ داخلي
وأَنا المُحَاصَرُ بالثنائياتِ ،
لكنَّ الحياة جديرَةٌ بغموضها
وبطائرِ الدوريِّ …
لم أُولَدْ لأَعرفَ أَنني سأموتُ ، بل لأُحبَّ محتوياتِ ظلِّ
اللهِ
يأخُذُني الجمالُ إلى الجميلِ
وأُحبُّ حُبَّك ، هكذا متحرراً من ذاتِهِ وصفاتِهِ
وأِنا بديلي …
..
أَنا من يُحَدِّثُ نَفْسَهُ :
مِنْ أَصغر الأشياءِ تُولَدُ أكبرُ الأفكار
والإيقاعُ لا يأتي من الكلمات ،
بل مِنْ وحدة الجَسَدَيْنِ
في ليلٍ طويلٍ …
..
أَنا مَنْ يحدِّثُ نَفْسَهُ
ويروِّضُ الذكرى … أَأَنتِ أَنا ؟
وثالثُنا يرفرف بيننا ” لا تَنْسَيَاني دائماً ”
يا مَوْتَنا ! خُذْنَا إليكَ على طريقتنا ، فقد نتعلَّمُ الإشراق …
لا شَمْسٌ ولا قَمَرٌ عليَّ
تركتُ ظلِّي عالقاً بغصون عَوْسَجَةٍ
فخفَّ بِيَ المكانُ
وطار بي روحي الشَّرُودُ
..
أَنا مَنْ يحدِّثُ نفسَهُ :
يا بنتُ : ما فَعَلَتْ بكِ الأشواقُ ؟
إن الريح تصقُلُنا وتحملنا كرائحة الخريفِ ،
نضجتِ يا امرأتي على عُكَّازَتيَّ ،
بوسعك الآن الذهابُ على ” طريق دمشق ”
واثقةً من الرؤيا . مَلاَكٌ حارسٌ
وحمامتان ترفرفان على بقيَّة عمرنا ، والأرضُ عيدُ …
..
الأرضُ عيدُ الخاسرين [ ونحن منهُمْ ]
نحن من أَثَرِ النشيد الملحميِّ على المكان ، كريشةِ النَّسْرِ
العجوز خيامُنا في الريح . كُنَّا طيِّبين وزاهدين بلا تعاليم
المسيح . ولم نكُنْ أَقوى من الأعشابِ إلاّ في ختام
الصَيْفِ ،
أَنتِ حقيقتي ، وأَنا سؤالُكِ
لم نَرِثْ شيئاً سوى اسْميْنَا
وأَنتِ حديقتي ، وأَنا ظلالُكِ
عند مفترق النشيد الملحميِّ …
ولم نشارك في تدابير الإلهات اللواتي كُنَّ يبدأن النشيد
بسحرهنَّ وكيدهنَّ . وكُنَّ يَحْمِلْنَ المكانَ على قُرُون
الوعل من زَمَنِ المكان إلى زمان آخرٍ …
..
كنا طبيعيِّين لو كانت نجومُ سمائنا أَعلى قليلاً من
حجارة بئرنا ، والأَنبياءُ أَقلَّ إلحاحاً ، فلم يسمع مدائحَنا
الجُنُودُ …
..
خضراءُ ، أرضُ قصيدتي خضراءُ
يحملُها الغنائيّون من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ كما هِيَ في
خُصُوبتها .
ولي منها : تأمُّلُ نَرْجسٍ في ماء صُورَتِهِ
ولي منها وُضُوحُ الظلِّ في المترادفات
ودقَّةُ المعنى …
ولي منها : التَّشَابُهُ في كلام الأَنبياءِ
على سُطُوح الليلِ
لي منها : حمارُ الحكمةِ المنسيُّ فوق التلِّ
يسخَرُ من خُرافتها وواقعها …
ولي منها : احتقانُ الرمز بالأضدادِ
لا التجسيدُ يُرجِعُها من الذكرى
ولا التجريدُ يرفَعُها إلى الإشراقة الكبرى
ولي منها : ” أَنا ” الأُخرى
تُدَوِّنُ في مُفَكِّرَة الغنائيِّين يوميَّاتها :
(( إن كان هذا الحُلْمُ لا يكفي
فلي سَهَرٌ بطوليٌّ على بوابة المنفى … ))
ولي منها : صَدَى لُغتي على الجدران
يكشِطُ مِلْحَهَا البحريَّ
حين يخونني قَلْبٌ لَدُودُ …
..
أَعلى من الأَغوار كانت حكمتي
إذ قلتُ للشيطان : لا . لا تَمْتَحِنِّي !
لا تَضَعْني في الثُّنَائيّات ، واتركني
كما أَنا زاهداً برواية العهد القديم
وصاعداً نحو السماء ، هُنَاكَ مملكتي
خُذِ التاريخَ ، يا ابنَ أَبي ، خُذِ
التاريخَ … واصنَعْ بالغرائز ما تريدُ
..
وَلِيَ السكينةُ . حَبَّةُ القمح الصغيرةُ
سوف تكفينا ، أَنا وأَخي العَدُوّ ،
فساعتي لم تَأْتِ بَعْدُ . ولم يَحِنْ
وقتُ الحصاد . عليَّ أَن أَلِجَ الغيابَ
وأَن أُصدِّقَ أوَّلاً قلبي وأتبعَهُ إلى
قانا الجليل . وساعتي لم تأتِ بَعْدُ .
لَعَلَّ شيئاً فيَّ ينبُذُني . لعلِّي واحدٌ
غيري . فلم تنضج كُرومُ التين حول
ملابس الفتيات بَعْدُ . ولم تَلِدْني
ريشةُ العنقاء . لا أَحَدٌ هنالك
في انتظاري . جئْتُ قبل ، وجئتُ
بعد ، فلم أَجد أحداً يُصَدِّق ما
أرى . أنا مَنْ رأى . وأَنا البعيدُ
أَنا البعيدُ
..
مَنْ أَنتَ ، يا أَنا ؟ في الطريقِ
اثنانِ نَحْنُ ، وفي القيامة واحدٌ .
خُذْني إلى ضوء التلاشي كي أَرى
صَيْرُورتي في صُورَتي الأُخرى . فَمَنْ
سأكون بعدَكَ ، يا أَنا ؟ جَسَدي
ورائي أم أَمامَكَ ؟ مَنْ أَنا يا
أَنت ؟ كَوِّنِّي كما كَوَّنْتُكَ ، ادْهَنِّي
بزيت اللوز ، كَلِّلني بتاج الأرز .
واحملني من الوادي إلى أَبديّةٍ
بيضاءَ . عَلِّمني الحياةَ على طريقتِكَ ،
اختَبِرْني ذَرَّةً في العالم العُلْوِيِّ .
ساعِدْني على ضَجَر الخلود ، وكُنْ
رحيماً حين تجرحني وتبزغ من
شراييني الورودُ …
..
لم تـأت سـاعـتُنا . فـلا رُسُـلٌ يَـقِـيـسُـونَ
الزمانَ بقبضة العشب الأخير . هل استدار ؟ ولا ملائكةٌ
يزورون المكانَ ليتركَ الشعراءُ ماضِيَهُمْ على الشَّفَق
الجميل ، ويفتحوا غَدَهُمْ بأيديهمْ .
فغنِّي يا إلهتيَ الأثيرةَ ، ياعناةُ ،
قصيدتي الأُولى عن التكوين ثانيةً …
فقد يجدُ الرُّوَاةُ شهادةَ الميلاد
للصفصاف في حَجَرٍ خريفيّ . وقد يجدُ
الرعاةُ البئرَ في أَعماق أُغنية . وقد
تأتي الحياةُ فجاءةً للعازفين عن
المعاني من جناح فراشةٍ عَلِقَتْ
بقافيةٍ ، فغنِّي يا إلهتيَ الأَثيرةَ
يا عناةُ ، أَنا الطريدةُ والسهامُ ،
أَنا الكلامُ . أَنا المؤبِّنُ والمؤذِّنُ
والشهيدُ
..
ما قلتُ للطَّلَلِ : الوداع . فلم أَكُنْ
ما كُنْتُ إلاّ مَرَّةً . ما كُنْتُ إلاّ
مرَّةً تكفي لأَعرف كيف ينكسرُ الزمانُ
كخيمة البدويِّ في ريح الشمال ،
وكيف يَنْفَطِرُ المكانُ ويرتدي الماضي
نُثَارَ المعبد المهجور . يُشبهُني كثيراً
كُلُّ ما حولي ، ولم أُشْبِهْ هنا
شيئاً . كأنَّ الأرض ضَيِّقَةٌ على
المرضى الغنائيِّين ، أَحفادِ الشياطين
المساكين المجانين الذين إذا رأوا
حُلْماً جميلاً لَقَّنُوا الببغاءَ شِعْر
الحب ، وانفتَحتْ أَمامَهُمُ الحُدُودُ …
..
وأُريدُ أُن أُحيا …
فلي عَمَلٌ على ظهر السفينة . لا
لأُنقذ طائراً من جوعنا أَو من
دُوَارِ البحر ، بل لأُشاهِدَ الطُوفانَ
عن كَثَبٍ : وماذا بعد ؟ ماذا
يفعَلُ الناجونَ بالأرض العتيقة ؟
هل يُعيدونَ الحكايةَ ؟ ما البدايةُ ؟
ما النهايةُ ؟ لم يعد أَحَدٌ من
الموتى ليخبرنا الحقيقة … /
أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض ،
انتظرني في بلادِكَ ، ريثما أُنهي
حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي
قرب خيمتكَ ، انتظِرْني ريثما أُنهي
قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد . يُغْريني
الوجوديّون باستنزاف كُلِّ هُنَيْهَةٍ
حريةً ، وعدالةً ، ونبيذَ آلهةٍ … /
فيا مَوْتُ ! انتظرني ريثما أُنهي
تدابيرَ الجنازة في الربيع الهَشّ ،
حيث وُلدتُ ، حيث سأمنع الخطباء
من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين
وعن صُمُود التينِ والزيتونِ في وجه
الزمان وجيشِهِ . سأقول : صُبُّوني
بحرف النون ، حيث تَعُبُّ روحي
سورةُ الرحمن في القرآن . وامشوا
صامتين معي على خطوات أَجدادي
ووقع الناي في أَزلي . ولا
تَضَعُوا على قبري البنفسجَ ، فَهْوَ
زَهْرُ المُحْبَطين يُذَكِّرُ الموتى بموت
الحُبِّ قبل أَوانِهِ . وَضَعُوا على
التابوتِ سَبْعَ سنابلٍ خضراءَ إنْ
وُجِدَتْ ، وبَعْضَ شقائقِ النُعْمانِ إنْ
وُجِدَتْ . وإلاّ ، فاتركوا وَرْدَ
الكنائس للكنائس والعرائس /
أَيُّها الموت انتظر ! حتى أُعِدَّ
حقيبتي : فرشاةَ أسناني ، وصابوني
وماكنة الحلاقةِ ، والكولونيا ، والثيابَ .
هل المناخُ هُنَاكَ مُعْتَدِلٌ ؟ وهل
تتبدَّلُ الأحوالُ في الأبدية البيضاء ،
أم تبقى كما هِي في الخريف وفي
الشتاء ؟ وهل كتابٌ واحدٌ يكفي
لِتَسْلِيَتي مع اللاَّ وقتِ ، أمْ أَحتاجُ
مكتبةً ؟ وما لُغَةُ الحديث هناك ،
دارجةٌ لكُلِّ الناس أَم عربيّةٌ
فُصْحى/
..
.. ويا مَوْتُ انتظرْ ، ياموتُ ،
حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع
وصحّتي ، لتكون صيَّاداً شريفاً لا
يَصيدُ الظَّبْيَ قرب النبع . فلتكنِ العلاقةُ
بيننا وُدّيَّةً وصريحةً : لَكَ أنَتَ
مالَكَ من حياتي حين أَملأُها ..
ولي منك التأمُّلُ في الكواكب :
لم يَمُتْ أَحَدٌ تماماً ، تلك أَرواحٌ
تغيِّر شَكْلَها ومُقَامَها /
يا موت ! ياظلِّي الذي
سيقودُني ، يا ثالثَ الاثنين ، يا
لَوْنَ التردُّد في الزُمُرُّد والزَّبَرْجَدِ ،
يا دَمَ الطاووس ، يا قَنَّاصَ قلب
الذئب ، يا مَرَض الخيال ! اجلسْ
على الكرسيّ ! ضَعْ أَدواتِ صيدكَ
تحت نافذتي . وعلِّقْ فوق باب البيت
سلسلةَ المفاتيح الثقيلةَ ! لا تُحَدِّقْ
يا قويُّ إلى شراييني لترصُدَ نُقْطَةَ
الضعف الأَخيرةَ . أَنتَ أَقوى من
نظام الطبّ . أَقوى من جهاز
تَنَفُّسي . أَقوى من العَسَلِ القويّ ،
ولَسْتَ محتاجاً - لتقتلني - إلى مَرَضي .
فكُنْ أَسْمَى من الحشرات . كُنْ مَنْ
أَنتَ ، شفَّافاً بريداً واضحاً للغيب .
كن كالحُبِّ عاصفةً على شجر ، ولا
تجلس على العتبات كالشحَّاذ أو جابي
الضرائبِ . لا تكن شُرطيّ سَيْرٍ في
الشوارع . كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالب . كُنْ
فروسياً ، بهياً ، كامل الضربات . قُلْ
ماشئْتَ : (( من معنى إلى معنى
أَجيءُ . هِيَ الحياةُ سُيُولَةٌ ، وأَنا
أكثِّفُها ، أُعرِّفُها بسُلْطاني وميزاني )) .. /
ويامَوْتُ انتظرْ ، واجلس على
الكرسيّ . خُذْ كأسَ النبيذ ، ولا
تفاوِضْني ، فمثلُكَ لا يُفاوِضُ أَيَّ
إنسانٍ ، ومثلي لا يعارضُ خادمَ
الغيبِ . استرح … فَلَرُبَّما أُنْهِكْتَ هذا
اليوم من حرب النجوم . فمن أَنا
لتزورني ؟ أَلَدَيْكَ وَقْتٌ لاختبار
قصيدتي . لا . ليس هذا الشأنُ
شأنَكَ . أَنت مسؤولٌ عن الطينيِّ في
البشريِّ ، لا عن فِعْلِهِ أو قَوْلِهِ /
هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها .
هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد
الرافدين . مِسَلَّةُ المصريّ ، مقبرةُ الفراعنةِ ،
النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ
وانتصرتْ ، وأِفْلَتَ من كمائنك
الخُلُودُ …
فاصنع بنا ، واصنع بنفسك ما تريدُ
..
وأَنا أُريدُ ، أريدُ أَن أَحيا …
فلي عَمَلٌ على جغرافيا البركان .
من أَيام لوط إلى قيامة هيروشيما
واليبابُ هو اليبابُ . كأنني أَحيا
هنا أَبداً ، وبي شَبَقٌ إلى ما لست
أَعرف . قد يكون ” الآن ” أَبعَدَ .
قد يكونُ الأمس أَقربَ . والغَدُ الماضي .
ولكني أَشدُّ ” الآن ” من يَدِهِ ليعبُرَ
قربيَ التاريخُ ، لا الزَّمَنُ المُدَوَّرُ ،
مثل فوضى الماعز الجبليِّ . هل
أنجو غداً من سرعة الوقت الإلكترونيّ ،
أَم أَنجو غداً من بُطْء قافلتي
على الصحراء؟ لي عَمَلٌ لآخرتي
كأني لن أَعيش غداً. ولي عَمَلٌ ليومٍ
حاضرٍ أَبداً . لذا أُصغي ، على مَهَلٍ
على مَهَل ، لصوت النمل في قلبي :
أعينوني على جَلَدي . وأَسمع صَرْخَةَ
الحَجَر الأسيرةَ : حَرِّروا جسدي . وأُبصرُ
في الكمنجة هجرةَ الأشواق من بَلَدٍ
تُرَابيّ إلى بَلَدٍ سماويّ . وأَقبضُ في
يد الأُنثى على أَبَدِي الأليفِ : خُلِقتُ
ثم عَشِقْتُ ، ثم زهقت ، ثم أَفقتُ
في عُشْبٍ على قبري يدلُّ عليَّ من
حينٍ إلى حينٍ . فما نَفْعُ الربيع
السمح إن لم يُؤْنِس الموتى ويُكْمِلْ
بعدهُمْ فَرَحَ الحياةِ ونَضْرةَ النسيان ؟
تلك طريقةٌ في فكِّ لغز الشعرِ ،
شعري العاطفيّ على الأَقلِّ . وما
المنامُ سوى طريقنا الوحيدة في الكلام /
وأَيُّها الموتُ التَبِسْ واجلسْ
على بلَّوْرِ أَيامي ، كأنَّكَ واحدٌ من
أَصدقائي الدائمين ، كأنَّكَ المنفيُّ بين
الكائنات . ووحدك المنفيُّ . لا تحيا
حياتَكَ . ما حياتُكَ غير موتي . لا
تعيش ولا تموت . وتخطف الأطفالَ
من عَطَشِ الحليب إلى الحليب . ولم
تكن طفلاً تهزُّ له الحساسينُ السريرَ ،
ولم يداعِبْكَ الملائكةُ الصغارُ ولا
قُرونُ الأيِّل الساهي ، كما فَعَلَتْ لنا
نحن الضيوفَ على الفراشة . وحدك
المنفيُّ ، يا مسكين ، لا امرأةٌ تَضُمُّك
بين نهديها ، ولا امرأةٌ تقاسِمُك
الحنين إلى اقتصاد الليل باللفظ الإباحيِّ
المرادفِ لاختلاط الأرض فينا بالسماءِ .
ولم تَلِدْ وَلَداً يجيئك ضارعاً : أَبتي ،
أُحبُّكَ . وحدك المنفيُّ ، يا مَلِكَ
الملوك ، ولا مديحَ لصولجانكَ . لا
صُقُورَ على حصانك . لا لآلئَ حول
تاجك . أَيُّها العاري من الرايات
والبُوق المُقَدَّسِ ! كيف تمشي هكذا
من دون حُرَّاسٍ وجَوْقَةِ منشدين ،
كَمِشْيَة اللصِّ الجبان . وأَنتَ مَنْ
أَنتَ ، المُعَظَّمُ ، عاهلُ الموتى ، القويُّ ،
وقائدُ الجيش الأَشوريِّ العنيدُ
فاصنع بنا ، واصنع بنفسك ما تريدُ
..
وأَنا أُريدُ ، أُريد أَن أَحيا ، وأَن
أَنساك …. أَن أَنسى علاقتنا الطويلة
لا لشيءٍ ، بل لأَقرأ ما تُدَوِّنُهُ
السماواتُ البعيدةُ من رسائلَ . كُلَّما
أَعددتُ نفسي لا نتظار قدومِكَ
ازددتَ ابتعاداً . كلما قلتُ : ابتعدْ
عني لأُكمل دَوْرَةَ الجَسَدَيْنِ ، في جَسَدٍ
يفيضُ ، ظهرتَ ما بيني وبيني
ساخراً : ” لا تَنْسَ مَوْعِدَنا … ”
- متى ؟ - في ذِرْوَة النسيان
حين تُصَدِّقُ الدنيا وتعبُدُ خاشعاً
خَشَبَ الهياكل والرسومَ على جدار الكهف ،
حيث تقول : ” آثاري أَنا وأَنا ابنُ نفسي ” . - أَين موعدُنا ؟
أَتأذن لي بأن أَختار مقهىً عند
باب البحر ؟ - لا …. لا تَقْتَرِبْ
يا ابنَ الخطيئةِ ، يا ابن آدمَ من
حدود الله ! لم تُولَدْ لتسأل ، بل
لتعمل …. - كُن صديقاً طَيِّباً يا
موت ! كُنْ معنىً ثقافياً لأُدرك
كُنْهَ حكمتِكَ الخبيئةِ ! رُبَّما أَسْرَعْتَ
في تعليم قابيلَ الرمايةَ . رُبَّما
أَبطأتَ في تدريب أَيُّوبٍ على
الصبر الطويل . وربما أَسْرَجْتَ لي
فَرَسا ً لتقتُلَني على فَرَسي . كأني
عندما أَتذكَّرُ النسيانَ تُنقِذُ حاضري
لُغَتي . كأني حاضرٌ أَبداً . كأني
طائر أَبداً . كأني مُذْ عرفتُكَ
أَدمنتْ لُغَتي هَشَاشَتَها على عرباتك
البيضاءِ ، أَعلى من غيوم النوم ،
أَعلى عندما يتحرَّرُ الإحساس من عبء
العناصر كُلّها . فأنا وأَنتَ على طريق
الله صوفيَّانِ محكومان بالرؤيا ولا يَرَيَان /
عُدْ يا مَوْتُ وحدَكَ سالماً ،
فأنا طليق ههنا في لا هنا
أو لا هناك . وَعُدْ إلى منفاك
وحدك . عُدْ إلى أدوات صيدك ،
وانتظرني عند باب البحر . هَيِّئ لي
نبيذاً أَحمراً للاحتفال بعودتي لِعِيادَةِ
الأرضِ المريضة . لا تكن فظّا ً غليظ
القلب ! لن آتي لأَسخر منك ، أَو
أَمشي على ماء البُحَيْرَة في شمال
الروح . لكنِّي - وقد أَغويتَني - أَهملتُ
خاتمةَ القصيدةِ : لم أَزفَّ إلى أَبي
أُمِّي على فَرَسي . تركتُ الباب مفتوحاً
لأندلُسِ الغنائيِّين ، واخترتُ الوقوفَ
على سياج اللوز والرُمَّان ، أَنفُضُ
عن عباءة جدِّيَ العالي خُيُوطَ
العنكبوت . وكان جَيْشٌ أَجنبيٌّ يعبر
الطُرُقَ القديمةَ ذاتها ، ويَقِيسُ أَبعادَ
الزمان بآلة الحرب القديمة ذاتها … /
..
يا موت ، هل هذا هو التاريخُ ،
صِنْوُكَ أَو عَدُوُّك ، صاعداً ما بين
هاويتين ؟ قد تبني الحمامة عُشَّها
وتبيضُ في خُوَذ الحديد . وربما ينمو
نباتُ الشِّيحِ في عَجَلاتِ مَرْكَبَةٍ مُحَطَّمةٍ .
فماذا يفعل التاريخُ ، صنوُكَ أو عَدُوُّكَ ،
بالطبيعة عندما تتزوَّجُ الأرضَ السماءُ
وتذرفُ المَطَرَ المُقَدَّسَ ؟ /
..
أَيها الموت ، انتظرني عند باب
البحر في مقهى الرومانسيِّين . لم
أَرجِعْ وقد طاشَتْ سهامُكَ مَرَّةً
إلاّ لأُودِعَ داخلي في خارجي ،
وأُوزِّعَ القمح الذي امتلأتْ به رُوحي
على الشحرور حطَّ على يديَّ وكاهلي ،
وأُودِّعَ الأرضَ التي تمتصُّني ملحاً ، وتنثرني
حشيشاً للحصان وللغزالة . فانتظرني
ريثما أُنهي زيارتي القصيرة للمكان وللزمان ،
ولا تُصَدِّقْني أَعودُ ولا أَعودُ
وأَقول : شكراً للحياة !
ولم أكن حَيّاً ولا مَيْتاً
ووحدك ، كنتَ وحدك ، يا وحيدُ !
..
تقولُ مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي
كثيراً ، وتصرخُ : يا قلبُ !
يا قَلْبُ ! خُذْني
إلى دَوْرَة الماءِ …/
..
ما قيمةُ الروح إن كان جسمي
مريضاً ، ولا يستطيعُ القيامَ
بواجبه الأوليِّ ؟
فيا قلبُ ، يا قلبُ أَرجعْ خُطَايَ
إليَّ ، لأَمشي إلى دورة الماء
وحدي !
..
نسيتُ ذراعيَّ ، ساقيَّ ، والركبتين
وتُفَّاحةَ الجاذبيَّةْ
نسيتُ وظيفةَ قلبي
وبستانَ حوَّاءَ في أَوَّل الأبديَّةْ
نسيتُ وظيفةَ عضوي الصغير
نسيتُ التنفُّسَ من رئتيّ .
نسيتُ الكلام
أَخاف على لغتي
فاتركوا كُلَّّ شيء على حالِهِ
وأَعيدوا الحياة إلى لُغَتي !..
..
تقول مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي
كثيراً ، وتصرخ بي قائلا ً :
لا أُريدُ الرجوعَ إلى أَحَدِ
لا أُريدُ الرجوعَ إلى بلدِ
بعد هذا الغياب ألطويل …
أُريدُ الرجوعَ فَقَطْ
إلى لغتي في أقاصي الهديل
..
تقولُ مُمَرِّضتي :
كُنْتَ تهذي طويلا ً ، وتسألني :
هل الموتُ ما تفعلين بي الآنَ
أَم هُوَ مَوْتُ اللُغَةْ ؟
..
خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ ، عاليةٌ …
على مَهَلٍ أُدوِّنُها ، على مَهَلٍ ، على
وزن النوارس في كتاب الماءِ . أَكتُبُها
وأُورِثُها لمنْ يتساءلون : لمنْ نُغَنِّي
حين تنتشرُ المُلُوحَةُ في الندى ؟ …
خضراءُ ، أكتُبُها على نَثْرِ السنابل في
كتاب الحقلِ ، قَوَّسَها امتلاءٌ شاحبٌ
فيها وفيَّ . وكُلَّما صادَقْتُ أَو
آخَيْتُ سُنْبُلةً تَعَلَّمْتُ البقاءَ من
الفَنَاء وضدَّه : (( أَنا حَبَّةُ القمح
التي ماتت لكي تَخْضَرَّ ثانيةً . وفي
موتي حياةٌ ما … ))
..
كأني لا كأنّي
لم يمت أَحَدٌ هناك نيابةً عني .
فماذا يحفظُ الموتى من الكلمات غيرَ
الشُّكْرِ : ” إنَّ الله يرحَمُنا ” …
ويُؤْنِسُني تذكُّرُ ما نَسِيتُ مِنَ
البلاغة : ” لم أَلِدْ وَلَدا ً ليحمل مَوْتَ
والِدِهِ ” …
وآثَرْتُ الزواجَ الحُرَّ بين المُفْرَدات ….
سَتَعْثُرُ الأُنثى على الذَّّكَر المُلائِمِ
في جُنُوح الشعر نحو النثر ….
سوف تشُّبُّ أَعضائي على جُمَّيزَةٍ ،
ويصُبُّ قلبي ماءَهُ الأَرضيَّ في
أَحَدِ الكواكب … مَنْ أَنا في الموت
بعدي ؟ مَنْ أَنا في الموت قبلي
قال طيفٌ هامشيٌّ : (( كان أوزيريسُ
مثْلَكَ ، كان مثلي . وابنُ مَرْيَمَ
كان مثلَكَ ، كان مثلي . بَيْدَ أَنَّ
الجُرْحَ في الوقت المناسب يُوجِعُ
العَدَمَ المريضَ ، ويَرْفَعُ الموتَ المؤقَّّتَ
فكرةً … )).
من أَين تأتي الشاعريَّةُ ؟ من
ذكاء القلب ، أَمْ من فِطْرة الإحساس
بالمجهول ؟ أَمْ من وردةٍ حمراءَ
في الصحراء ؟ لا الشخصيُّ شخصيُّ
ولا الكونيُّ كونيٌّ …
..
كأني لا كأني …/
كلما أَصغيتُ للقلب امتلأتُ
بما يقول الغَيْبُ ، وارتفعتْ بِيَ
الأشجارُ . من حُلْم إلى حُلْمٍ
أَطيرُ وليس لي هَدَفٌ أَخيرٌ .
كُنْتُ أُولَدُ منذ آلاف السنين
الشاعريَّةِ في ظلامٍ أَبيض الكتّان
لم أَعرف تماماً مَنْ أَنا فينا ومن
حُلْمي . أَنا حُلْمي
كأني لا كأني …
لم تَكُنْ لُغَتي تُودِّعُ نَبْرها الرعويَّ
إلاّ في الرحيل إلى الشمال . كلابُنا
هَدَأَتْ . وماعِزُنا توشَّح بالضباب على
التلال . وشجَّ سَهْمٌ طائش وَجْهَ
اليقين . تعبتُ من لغتي تقول ولا
تقولُ على ظهور الخيل ماذا يصنعُ
الماضي بأيَّامِ امرئ القيس المُوَزَّعِ
بين قافيةٍ وقَيْصَرَ …/
كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ آلهتي ،
هنالك ، في بلاد الأرجوان أَضاءني
قَمَرٌ تُطَوِّقُهُ عناةُ ، عناةُ سيِّدَةُ
الكِنايةِ في الحكايةِ . لم تكن تبكي على
أَحَدِ ، ولكنْ من مَفَاتِنِها بَكَتْ :
هَلْ كُلُّ هذا السحرِ لي وحدي
أَما من شاعرٍ عندي
يُقَاسِمُني فَرَاغَ التَخْتِ في مجدي ؟
ويقطفُ من سياج أُنوثتي
ما فاض من وردي ؟
أَما من شاعر يُغْوي
حليبَ الليل في نهدي ؟
أَنا الأولى
أَنا الأخرى
وحدِّي زاد عن حدِّي
وبعدي تركُضُ الغِزلانُ في الكلمات
لا قبلي … ولا بعدي /
..
سأحلُمُ ، لا لأُصْلِحَ مركباتِ الريحِ
أَو عَطَباً أَصابَ الروحَ
فالأسطورةُ اتَّخَذَتْ مكانَتَها / المكيدةَ
في سياق الواقعيّ . وليس في وُسْعِ القصيدة
أَن تُغَيِّرَ ماضياً يمضي ولا يمضي
ولا أَنْ تُوقِفَ الزلزالَ
لكني سأحلُمُ ،
رُبَّما اتسَعَتْ بلادٌ لي ، كما أَنا
واحداً من أَهل هذا البحر ،
كفَّ عن السؤال الصعب : (( مَنْ أَنا ؟ …
هاهنا ؟ أَأَنا ابنُ أُمي ؟ ))
لا تساوِرُني الشكوكُ ولا يحاصرني
الرعاةُ أو الملوكُ . وحاضري كغدي معي .
ومعي مُفَكِّرتي الصغيرةُ : كُلَّما حَكَّ
السحابةَ طائرٌ دَوَّنتُ : فَكَّ الحُلْمُ
أَجنحتي . أنا أَيضاً أطيرُ . فَكُلُّ
حيّ طائرٌ . وأَنا أَنا ، لا شيءَ
آخَرَ /
..
واحدٌ من أَهل هذا السهل …
في عيد الشعير أَزورُ أطلالي
البهيَّة مثل وَشْم في الهُوِيَّةِ .
لا تبدِّدُها الرياحُ ولا تُؤبِّدُها … /
وفي عيد الكروم أَعُبُّ كأساً
من نبيذ الباعة المتجوِّلينَ … خفيفةٌ
روحي ، وجسمي مُثْقَلٌ بالذكريات وبالمكان /
وفي الربيع ، أكونُ خاطرةً لسائحةٍ
ستكتُبُ في بطاقات البريد : (( على
يسار المسرح المهجور سَوْسَنَةٌ وشَخْصٌ
غامضٌ . وعلى اليمين مدينةٌ عصريَّةٌ )) /
..
وأَنا أَنا ، لا شيء آخَرَ …
لَسْتُ من أَتباع روما الساهرينَ
على دروب الملحِ . لكنِّي أسَدِّدُ نِسْبَةً
مئويَّةً من ملح خبزي مُرْغَماً ، وأَقول
للتاريخ : زَيِّنْ شاحناتِكَ بالعبيد وبالملوك الصاغرينَ ، ومُرَّ
… لا أَحَدٌ يقول
الآن : لا .
..
وأَنا أَنا ، لا شيء آخر
واحدٌ من أَهل هذا الليل . أَحلُمُ
بالصعود على حصاني فَوْقَ ، فَوْقَ …
لأَتبع اليُنْبُوعَ خلف التلِّ
فاصمُدْ يا حصاني . لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ
أَنتَ فُتُوَّتي وأَنا خيالُكَ . فانتصِبْ
أَلِفاً ، وصُكَّ البرقَ . حُكَّ بحافر
الشهوات أَوعيةَ الصَدَى . واصعَدْ ،
تَجَدَّدْ ، وانتصبْ أَلفاً ، توتَّرْ يا
حصاني وانتصبْ ألفا ً ، ولا تسقُطْ
عن السفح الأَخير كرايةٍ مهجورةٍ في
الأَبجديَّة . لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ ،
أَنت تَعِلَّتي وأَنا مجازُكَ خارج الركب
المُرَوَّضِ كالمصائرِ . فاندفِعْ واحفُرْ زماني
في مكاني يا حصاني . فالمكانُ هُوَ
الطريق ، ولا طريقَ على الطريق سواكَ
تنتعلُ الرياحَ . أَُضئْ نُجوماً في السراب !
أَضئْ غيوماً في الغياب ، وكُنْ أَخي
ودليلَ برقي يا حصاني . لا تَمُتْ
قبلي ولا بعدي عَلى السفح الأخير
ولا معي . حَدِّقْ إلى سيَّارة الإسعافِ
والموتى … لعلِّي لم أَزل حيّاً /
..
سأَحلُمُ ، لا لأُصْلِحَ أَيَّ معنىً خارجي .
بل كي أُرمِّمَ داخلي المهجورَ من أَثر
الجفاف العاطفيِّ . حفظتُ قلبي كُلَّهُ
عن ظهر قلبٍ : لم يَعُدْ مُتَطفِّلاً
ومُدَلّلاً . تَكْفيهِ حَبَّةُ ” أَسبرين ” لكي
يلينَ ويستكينَ . كأنَّهُ جاري الغريبُ
ولستُ طَوْعَ هوائِهِ ونسائِهِ . فالقلب
يَصْدَأُ كالحديدِ ، فلا يئنُّ ولا يَحِنُّ
ولا يُجَنُّ بأوَّل المطر الإباحيِّ الحنينِ ،
ولا يرنُّ ّكعشب آبَ من الجفافِ .
كأنَّ قلبي زاهدٌ ، أَو زائدٌ
عني كحرف ” الكاف ” في التشبيهِ
حين يجفُّ ماءُ القلب تزدادُ الجمالياتُ
تجريداً ، وتدَّثرُ العواطف بالمعاطفِ ،
والبكارةُ بالمهارة /
..
كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ أُولى
الأغنيات رأيتُ آثارَ القطاة على
الكلام . ولم أَكن ولداً سعيداً
كي أَقولَ : الأمس أَجملُ دائماً .
لكنَّ للذكرى يَدَيْنِ خفيفتين تُهَيِّجانِ
الأرضَ بالحُمَّى . وللذكرى روائحُ زهرةٍ
ليليَّةٍ تبكي وتُوقظُ في دَمِ المنفيِّ
حاجتَهُ إلى الإنشاد : (( كُوني
مُرْتَقى شَجَني أَجدْ زمني )) … ولستُ
بحاجةٍ إلاّ لِخَفْقَةِ نَوْرَسِ لأتابعَ
السُفُنَ القديمةَ . كم من الوقت
انقضى منذ اكتشفنا التوأمين : الوقتَ
والموتَ الطبيعيَّ المُرَادِفَ للحياة ؟
ولم نزل نحيا كأنَّ الموتَ يُخطئنا ،
فنحن القادرين على التذكُّر قادرون
على التحرُّر ، سائرون على خُطى
جلجامشَ الخضراءِ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ … /
..
هباءٌ كاملُ التكوينِ …
يكسرُني الغيابُ كجرَّةِ الماءِ الصغيرة .
نام أَنكيدو ولم ينهض . جناحي نام
مُلْتَفّاً بحَفْنَةِ ريشِهِ الطينيِّ . آلهتي
جمادُ الريح في أَرض الخيال . ذِراعِيَ
اليُمْنى عصا خشبيَّةٌ . والقَلْبُ مهجورٌ
كبئرٍ جفَّ فيها الماءُ ، فاتَّسَعَ الصدى
الوحشيُّ : أنكيدو ! خيالي لم يَعُدْ
يكفي لأُكملَ رحلتي . لا بُدَّ لي من
قُوَّةٍ ليكون حُلْمي واقعيّاً . هاتِ
أَسْلِحتي أُلَمِّعْها بمِلح الدمعِ . هاتِ
الدمعَ ، أنكيدو ، ليبكي المَيْتُ فينا
الحيَّ . ما أنا ؟ مَنْ ينامُ الآن
أنكيدو ؟ أَنا أَم أَنت ؟ آلهتي
كقبض الريحِ . فانهَضْ بي بكامل
طيشك البشريِّ ، واحلُمْ بالمساواةِ
القليلةِ بين آلهة السماء وبيننا . نحن
الذين نُعَمِّرُ الأرضَ الجميلةَ بين
دجلةَ والفراتِ ونحفَظُ الأسماءَ . كيف
مَلَلْتَني ، يا صاحبي ، وخَذَلْتَني ، ما نفْعُ حكمتنا بدون
فُتُوّةٍ … ما نفعُ حكمتنا ؟ على باب المتاهِ خذلتني ،
يا صاحبي ، فقتلتَني ، وعليَّ وحدي
أَن أرى ، وحدي ، مصائرنا . ووحدي
أَحملُ الدنيا على كتفيَّ ثوراً هائجاً .
وحدي أَفتِّشُ شاردَ الخطوات عن
أَبديتي . لا بُدَّ لي من حَلِّ هذا
اللُغْزِ ، أنكيدو ، سأحملُ عنكَ
عُمْرَكَ ما استطعتُ وما استطاعت
قُوَّتي وإرادتي أَن تحملاكَ . فمن
أَنا وحدي ؟ هَبَاءٌ كاملُ التكوينِ
من حولي . ولكني سأُسْنِدُ ظلَّّك
العاري على شجر النخيل . فأين ظلُّكَ ؟
أَين ظلُّك بعدما انكسرَتْ جُذُوعُك؟
قمَّةُ
الإنسان
هاويةٌ …
ظلمتُكَ حينما قاومتُ فيكَ الوَحْشَ ،
بامرأةٍ سَقَتْكَ حليبَها ، فأنِسْتَ …
واستسلمتَ للبشريِّ . أَنكيدو ، ترفَّقْ
بي وعُدْ من حيث مُتَّ ، لعلَّنا
نجدُ الجوابَ ، فمن أَنا وحدي ؟
حياةُ الفرد ناقصةٌ ، وينقُصُني
السؤالُ ، فمن سأسألُ عن عبور
النهر ؟ فانهَضْ يا شقيقَ الملح
واحملني . وأَنتَ تنامُ هل تدري
بأنك نائمٌ ؟ فانهض .. كفى نوما ً!
تحرَّكْ قبل أَن يتكاثَرَ الحكماءُ حولي
كالثعالب : [ كُلُّ شيء باطلٌ ، فاغنَمْ
حياتَكَ مثلما هِيَ برهةً حُبْلَى بسائلها ،
دَمِ العُشْب المُقَطَّرِ . عِشْ ليومك لا
لحلمك . كلُّ شيء زائلٌ . فاحذَرْ
غداً وعشِ الحياةَ الآن في امرأةٍ
تحبُّكَ . عِشْ لجسمِكَ لا لِوَهْمِكَ .
..
وانتظرْ
ولداً سيحمل عنك رُوحَكَ
فالخلودُ هُوَ التَّنَاسُلُ في الوجود .
وكُلُّ شيءٍ باطلٌ أو زائل ، أو
زائل أو باطلٌ ]
..
مَنْ أَنا ؟
أَنشيدُ الأناشيد
أم حِكْمَةُ الجامعةْ ؟
وكلانا أَنا …
وأَنا شَاعرٌ
ومَلِكْ
وحكيمٌ على حافّة البئرِ
لا غيمةٌ في يدي
ولا أَحَدَ عَشَرَ كوكباً
على معبدي
ضاق بي جَسَدي
ضاق بي أَبدي
وغدي
جالسٌ مثل تاج الغبار
على مقعدي
..
باطلٌ ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ
..
أَلرياحُ شماليَّةٌ
والرياحُ جنوبيَّةٌ
تُشْرِقُ الشمسُ من ذاتها
تَغْرُبُ الشمسُ في ذاتها
لا جديدَ ، إذاً
والزَمَنْ
كان أَمسِ ،
سُدىً في سُدَى .
ألهياكلُ عاليةٌ
والسنابلُ عاليةٌ
والسماءُ إذا انخفضت مَطَرتْ
والبلادُ إذا ارتفعت أَقفرت
كُلُّ شيء إذا زاد عن حَدِّهِ
صار يوماً إلى ضدِّهِ .
والحياةُ على الأرض ظلٌّ
لما لا نرى ….
..
باطلٌ ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
كلُّ شيء على البسيطة زائلْ
..
1400 مركبة
و12,000 فرس
تحمل اسمي المُذَهَّبَ من
زَمَنٍ نحو آخر …
عشتُ كما لم يَعِشْ شاعرٌ
مَلكاً وحكيماً …
هَرِمْتُ ، سَئِمْتُ من المجدِ
لا شيءَ ينقصني
أَلهذا إذاً
كلما ازداد علمي
تعاظَمَ هَمِّي ؟
فما أُورشليمُ وما العَرْشُ ؟
لا شيءَ يبقى على حالِه
للولادة وَقْتٌ
وللموت وقتٌ
وللصمت وَقْتٌ
وللنُّطق وقْتٌ
وللحرب وقْتٌ
وللصُّلحِ وقْتٌ
وللوقتِ وقْتٌ
ولا شيءَ يبقى على حالِهِ …
كُلُّ نَهْرٍ سيشربُهُ البحرُ
والبحرُ ليس بملآنَ ،
لاشيءَ يبقى على حالِهِ
كُلُّ حيّ يسيرُ إلى الموت
والموتُ ليس بملآنَ ،
لا شيءَ يبقى سوى اسمي المُذَهَّبِ
بعدي :
(( سُلَيمانُ كانَ )) …
فماذا سيفعل موتى بأسمائهم
هل يُضيءُ الذَّهَبْ
ظلمتي الشاسعةْ
أَم نشيدُ الأناشيد
والجامعةْ ؟
..
باطلٌ ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ /…
..
مثلما سار المسيحُ على البُحَيْرَةِ ،
سرتُ في رؤيايَ . لكنِّي نزلتُ عن
الصليب لأَنني أَخشى العُلُوَّ ،ولا
أُبَشِّرُ بالقيامةِ . لم أُغيِّرْ غَيْرَ
إيقاعي لأَسمَعَ صوتَ قلبي واضحاً .
للملحميِّين النُّسُورُ ولي أَنا : طوقُ
الحمامةِ ، نجمةٌ مهجورةٌ فوق السطوح ،
وشارعٌ مُتَعرِّجُ يُفْضي إلى ميناءِ
عكا - ليس أكثرَ أَو أَقلَّ -
أُريد أَن أُلقي تحيَّاتِ الصباح عليَّ
حيث تركتُني ولداً سعيدا [ لم
أَكُنْ ولداً سَعيدَ الحظِّ يومئذٍ ،
ولكنَّ المسافةَ، مثلَ حدَّادينَ ممتازينَ ،
تصنَعُ من حديدٍ تافهٍ قمراً]
- أَتعرفني ؟
سألتُ الظلَّ قرب السورِ ،
فانتبهتْ فتاةُ ترتدي ناراً ،
وقالت : هل تُكَلِّمني ؟
فقلتُ : أُكَلِّمُ الشَبَحَ القرينَ
فتمتمتْ : مجنونُ ليلى آخرٌ يتفقَُّّد
الأطلالَ ،
وانصرفتْ إلى حانوتها في آخر السُوق
القديمةِ…
ههنا كُنَّا . وكانت نَخْلَتانِ تحمِّلان
البحرَ بعضَ رسائلِ الشعراءِ …
لم نكبر كثيراً يا أَنا . فالمنظرُ
البحريُّ ، والسُّورُ المُدَافِعُ عن خسارتنا ،
ورائحةُ البَخُور تقول : ما زلنا هنا ،
حتى لو انفصَلَ الزمانُ عن المكانِ .
لعلَّنا لم نفترق أَبداً
- أَتعرفني ؟
بكى الوَلَدُ الذي ضيَّعتُهُ :
(( لم نفترق . لكننا لن نلتقي أَبداً )) …
وأَغْلَقَ موجتين صغيرتين على ذراعيه ،
وحلَّّق عالياً …
فسألتُ : مَنْ منَّا المُهَاجِرُ ؟ /
قلتُ للسّجَّان عند الشاطئ الغربيّ :
- هل أَنت ابنُ سجّاني القديمِ ؟
- نعم !
- فأين أَبوك ؟
قال : أَبي توفِّيَ من سنين.
أُصيبَ بالإحباط من سَأَم الحراسة .
ثم أَوْرَثَني مُهمَّتَهُ ومهنته ، وأوصاني
بان أَحمي المدينةَ من نشيدكَ …
قُلْتُ : مُنْذُ متى تراقبني وتسجن
فيَّ نفسَكَ ؟
قال : منذ كتبتَ أُولى أُغنياتك
قلت : لم تَكُ قد وُلِدْتَ
فقال : لي زَمَنٌ ولي أَزليَّةٌ ،
وأُريد أن أَحيا على إيقاعِ أمريكا
وحائطِ أُورشليمَ
فقلتُ : كُنْ مَنْ أَنتَ . لكني ذهبتُ .
ومَنْ تراه الآن ليس أنا ، أنا شَبَحي
فقال : كفى ! أَلسْتَ اسمَ الصدى
الحجريِّ ؟ لم تذهَبْ ولم تَرْجِعْ إذاً .
ما زلتَ داخلَ هذه الزنزانة الصفراءِ .
فاتركني وشأني !
قلتُ : هل ما زلتُ موجودا ً
هنا ؟ أَأَنا طليقٌ أَو سجينٌ دون
أن أدري . وهذا البحرُ خلف السور بحري ؟
قال لي : أَنتَ السجينُ ، سجينُ
نفسِكَ والحنينِ . ومَنْ تراهُ الآن
ليس أَنا . أَنا شَبَحي
فقلتُ مُحَدِّثاً نفسي : أَنا حيٌّ
وقلتُ : إذا التقى شَبَحانِ
في الصحراء ، هل يتقاسمانِ الرملَ ،
أَم يتنافسان على احتكار الليل ؟ /
..
المقطع قبل الأخير
كانت ساعَةُ الميناءِ تعمَلُ وحدها
لم يكترثْ أَحَدٌ بليل الوقت ، صَيَّادو
ثمار البحر يرمون الشباك ويجدلون
الموجَ . والعُشَّاقُ في الـ” ديسكو ” .
وكان الحالمون يُرَبِّتُون القُبَّراتِ النائماتِ
ويحلمون …
وقلتُ : إن متُّ انتبهتُ …
لديَّ ما يكفي من الماضي
وينقُصُني غَدٌ …
سأسيرُ في الدرب القديم على
خُطَايَ ، على هواءِ البحر . لا
امرأةٌ تراني تحت شرفتها . ولم
أملكْ من الذكرى سوى ما ينفَعُ
السَّفَرَ الطويلَ . وكان في الأيام
ما يكفي من الغد . كُنْتُ أصْغَرَ
من فراشاتي ومن غَمَّازتينِ :
خُذي النُّعَاسَ وخبِّئيني في
الرواية والمساء العاطفيّ /
وَخبِّئيني تحت إحدى النخلتين /
وعلِّميني الشِعْرَ / قد أَتعلَّمُ
التجوال في أنحاء ” هومير ” / قد
أُضيفُ إلى الحكاية وَصْفَ
عكا / أقدمِ المدنِ الجميلةِ ،
أَجملِ المدن القديمةِ / علبَةٌ
حَجَريَّةٌ يتحرَّكُ الأحياءُ والأمواتُ
في صلصالها كخليَّة النحل السجين
ويُضْرِبُونَ عن الزهور ويسألون
البحر عن باب الطوارئ كُلَّما
اشتدَّ الحصارُ / وعلِّميني الشِعْرَ /
قد تحتاجُ بنتٌ ما إلى أُغنية
لبعيدها : (( خُذْني ولو قَسْراً
إليكَ ، وضَعْ منامي في
يَدَيْكَ )) . ويذهبان إلى الصدى
مُتَعانِقَيْنِ / كأنَّني زوَّجتُ ظبياً
شارداً لغزالةٍ / وفتحتُ أبوابَ
الكنيسةِ للحمام … / وعَلِّميني
الشِعْرَ / مَنْ غزلتْ قميصَ
الصوف وانتظرتْ أمام الباب
أَوْلَى بالحديث عن المدى ، وبخَيْبَةِ
الأَمَلِ : المُحاربُ لم يَعُدْ ، أو
لن يعود ، فلستَ أَنتَ مَن
انتظرتُ … /
..
ومثلما سار المسيحُ على البحيرة …
سرتُ في رؤيايَ . لكنِّي نزلتُ عن
الصليب لأنني أَخشى العُلُوَّ ولا
أُبشِّرُ بالقيامة . لم أُغيِّر غيرَ إيقاعي
لأَسمع صوتَ قلبي واضحاً …
للملحميِّين النُسُورُ ولي أَنا طَوْقُ
الحمامة ، نَجْمَةٌ مهجورةٌ فوق السطوح ،
وشارعٌ يُفضي إلى الميناء … /
هذا البحرُ لي
هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي
هذا الرصيفُ وما عَلَيْهِ
من خُطَايَ وسائلي المنويِّ … لي
ومحطَّةُ الباصِ القديمةُ لي . ولي
شَبَحي وصاحبُهُ . وآنيةُ النحاس
وآيةُ الكرسيّ ، والمفتاحُ لي
والبابُ والحُرَّاسُ والأجراسُ لي
لِيَ حَذْوَةُ الفَرَسِ التي
طارت عن الأسوار … لي
ما كان لي . وقصاصَةُ الوَرَقِ التي
انتُزِعَتْ من الإنجيل لي
والملْحُ من أَثر الدموع على
جدار البيت لي …
واسمي ، إن أخطأتُ لَفْظَ اسمي
بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي :
ميمُ / المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى
حاءُ / الحديقةُ والحبيبةُ ، حيرتانِ وحسرتان
ميمُ / المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته
الموعود منفيّاً ، مريضَ المُشْتَهَى
واو / الوداعُ ، الوردةُ الوسطى ،
ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ ، وَوَعْدُ الوالدين
دال / الدليلُ ، الدربُ ، دمعةُ
دارةٍ دَرَسَتْ ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني /
وهذا الاسمُ لي …
ولأصدقائي ، أينما كانوا ، ولي
جَسَدي المُؤَقَّتُ ، حاضراً أم غائباً …
مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن …
لي مِتْرٌ و75 سنتمتراً …
والباقي لِزَهْرٍ فَوْضَويّ اللونِ ،
يشربني على مَهَلٍ ، ولي
ما كان لي : أَمسي ، وما سيكون لي
غَدِيَ البعيدُ ، وعودة الروح الشريد
كأنَّ شيئا ً لم يَكُنْ
وكأنَّ شيئاً لم يكن
جرحٌ طفيف في ذراع الحاضر العَبَثيِّ …
والتاريخُ يسخر من ضحاياهُ
ومن أَبطالِهِ …
يُلْقي عليهمْ نظرةً ويمرُّ …
هذا البحرُ لي
هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي
واسمي -
وإن أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت -
لي .
أَما أَنا - وقد امتلأتُ
بكُلِّ أَسباب الرحيل -
فلستُ لي .
أَنا لَستُ لي
أَنا لَستُ لي …